تعد الكيفية التي تميل بها جثث الطغاة إلى التسبب في مشكلات هائلة لأممهم أمرا غريبا حقا، ويرجع في أحد جوانبه إلى أن موت الطاغية ليس نهاية لحياة نظامه وسلطته القاتلة. فالشخص الذي يحكم أمة زمنا طويلا بالخوف والإرهاب، يتمتع بقبضة أبوية وتخريبية، على نحو عميق في آن، على نفسية الشعب الذي حكمه. ومصارع الطغاة تطلق من عقالها كل تلك المشكلات والتصدعات والأخطار التاريخية الكامنة تحت الأرض.

المشكلة الحقيقية

ومن المألوف بالنسبة للشعوب أن تعتقد أنه خلال إطلاقها صيحتها الكبرى من أجل التحرير والحرية أن نهاية الطاغية هي نهاية المشكلة، ولكن كما نعلم فإن الجنازات تخرج المزيد من الانقسامات على نحو يفوق ميلاد الأبناء، وتترك تأثيرا أكثر تدميرا بكثير.

وقد كان لجثث الطغاة على مر الزمن تأثر عظيم على خيال الشعوب، حيث تصبح الجثة ذاتها رمزا للماضي، وعلى نحو ما، فإن دفن الجثة هو دفن للماضي. ولكن إنزال جثة إلى التراب أسهل بكثير من إنزال الماضي إلى رحاب الماضي.

وقد استجاب الإغريق لقوة جثث الزعماء الكبار بتطوير فكرة الضريح، وكانت مصارع الفراعنة أحداثا ذات أهمية كبيرة بالنسبة للحضارة القديمة في مصر، وقد بنينا صروحا بالغة الغرابة عبر التاريخ لقادتنا الموتى أكثر مما شيدنا لأي شيء آخر، ويشهد هرم خوفو ووادي الملوك على الأهمية التي نوليها لمثل هذه الطقوس الجنائزية. وقد خاضت فرنسا معركة مريرة معه نفسها حول أنسب طريقة لدفن نابليون بونابرت، فموته لم يحسم القضايا العددية لحكمه المليء بالتناقضات، ولكن من خلال اتخاذ قرار نقله من جزيرة سانت هيلانة إلى مقبرة الأنفاليد في باريس، فإن فرنسا أفلحت أخيرا في أن تمتص تلك الطاقة الهائلة وتحولها إلى أسطورة أمة. وقد تمزقت امبراطورية الإسكندر الأكبر في معرض النزاع على جثمانه، وحتى اليوم لا تزال هناك محاولات للعثور على مدفنه. وقد عرف عن يوليويس قيصر أنه قد بكى على قبر الاسكندر الذي اختفى الآن في رحاب الغموض. ولكن هؤلاء كانوا رجالا عظاما، وقبر ماوتسي تونغ حظي بتقدير كبير يوشك أن يكون تقديسا، ولا يزال جثمانه يبعث الطاقة في المشروع الصيني الذي نشهد تطوره كل يوم، وقد ولد جثمان جوزيف ستالين أحلاما روسية هائلة، وكان يمكن لجثمان أدولف هتلر أن يطرح مشكلات عميقة تتعلق بانقسام مستمر في أوروبا، ويلهم زيارة الفاشيين له. ونحن محظوظون لأنه لم يستقطب جهودا محمومة للبحث عنه، وصوره وتذكاراته لا تزال تشكل كابوسا بالنسبة لمصير أوروبا، والأمور على حالها الآن. فتخيل مدى خطورة أن يعرف المكان الذي دفنت فيه جثته.

منعطف مهم

والطريقة التي يتم بها التخلص من جثمان طاغية لها أهمية كبيرة بالنسبة لأمته، ومشكلة الماضي هي أنه ينقل العدوى إلى الحاضر، والموت له طريقته الخاصة في التسلل إلى المستقبل. وقد تم تسليم جثمان الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين بسرعة إلى قبيلته، الأمر الذي يعني إعادة جثمانه إلى أهله، أي إعادة القومي إلى المحلي. وعمد الأميركيون إلى تدبير وسيلة ناجحة ومثيرة للجدل كفلت اختفاء جثة أسامة بن لادن عندما دفعوا بها إلى البحر في مكان مجهول.

وفي حالة ليبيا التي يدور فيها الصراع الوطني الآن عند منعطف مثير للاهتمام بين الماضي والمستقبل، فإن الأمر اقتضى الكثير من الذكاء والإنسانية للتعامل مع جثة معمر القذافي. ومستقبل ليبيا يعتمد على الحكمة الرمزية التي تم التعامل بها مع هذه المسألة.

عندما يموت إنسان فإن جثته تقتضي احتراما معينا، لأن هذه الجثة يمكن أن تولد كابوسا أو تساعد في التحرير. وهناك جثمان في رواية جابرييل جارسيا مركيز «خريف البطريارك» تصدر عنها رائحة تنتشر في الأمة بأسرها. وفي رواية «موت أرتنيو كروز» يتأمل كارلوس كونتيس في الكيفية التي يمكن بها لجثة أن تضم أحلاما تلوثية وشرورا لشعب بأسره.

الكلمات الأخيرة

وتبدو لي إحدى الكلمات الأخيرة التي نطقها القذافي عندما حاصره الثوار الليبيون ، كلمة فاتنة حقا، فهو في غمار الذهول - ذهول السلطة قال : ما الذي فعلته لكم؟.

إن هذا السؤال هو على وجه الدقة الذي يتعين على الحكومة الليبية الجديدة أن تجيب عنه بأرقى طريقة ممكنة، وأفضل مكان تبدأ فيه ذلك هو بالتعامل الحضاري مع جثته، فالتاريخ يقذف في وجوهنا صورا مروعة للإسكندر الأكبر عندما وجه إليه سؤالا محددا وهو على فراش موته: من الذي ينبغي أن يرث الإمبراطورية؟. وجاءت إجابته الغامضة والخطيرة:«الأقوى». حسنا لقد اقتتلوا فيما بينهم ليكتشفوا من هو الأقوى، ومزقوا تراثه إربا.

لقد تساءل القذافي قبل أن يلقى مصرعه بمسدسه الذهبي: ما الذي فعلته لكم؟.

وعلى امتداد أيام مدد جثمانه في ثلاجة باردة في مصراتة. وقد أبقي في الثلج لأن بلده لم يستطع أن يتخذ قرارا بشأنه. والجثمان يتحلل، فيما البلد يناضل في مسيرته نحو بداية مختلفة.

إن قرار الحكومة الليبية بدفن جثمان القذافي وابنه ورئيس مخابراته في الصحراء في مقابر لا يوجد ما يشير إليها، هو قرار مثير للاهتمام، فالمسؤولون الليبيون مالوا باتجاه المجهول الذي اعتمده الأميركيون في تعاملهم مع جثة بن لادن، بأكثر مما مالوا إلى التحديد الذي اختاره العراقيون بالتعامل مع جثة صدام حسين، وهذا القرار يكشف إلى أي حد ظل القذافي مشحونا كرمز، والسرية التي أحاطت بمكان الدفن هي إقرار بأن الإدراك الفوري لتراثه ليس قوة موحدة للشعب الليبي، وهو مؤشر لمدى عمق حاجة الليبيين إلى النسيان.