دفن جثمان الرئيس الليبي الراحل معمر القذافي، أخيرا، في قبر مجهول في الصحراء الليبية، وتراجع كل ما يتعلق بمصيره عن الصفحات الأولى في الصحف الأميركية، مفسحا المجال إلى الأخبار المتعلقة بأزمة الديون الأوروبية، وانتخابات تونس، ومحاولة جو السباك الحصول على مقعد في الكونغرس الأميركي. حتى على الرغم من ظهور صور أكثر فظاعة ملتقطة بالفيديو للحظات الأخيرة المفعمة بالمعاناة في حياة الطاغية الليبي.
هل كان من المعقول توقع أن قوات الثوار التي ألقت القبض على القذافي، ستبادر إلى تقييد معصميه والمضي به إلى السجن؟ إلى أي حد هو مهم أنه قد عومل بضراوة بالغة وضرب بقسوة على أيدي أفراد جمع حاشد؟ هل ينبغي أن نكترث أن مصرع القذافي قد جعل من اللحظات الأخيرة لموت الرئيس العراقي صدام حسين على المشنقة يبدو شيئا مفعما بالكرامة؟
قلائل في ليبيا هم الذين يبدو أنهم قد اكترثوا بهذا كله، وقد صرح وزير النفط المؤقت في ليبيا لشبكة «سي بي إس نيوز» ردا على أسئلة حول المعاملة التي تعرض لها القذافي في لحظاته الأخيرة: ينبغي أن تأخذوا في الاعتبار أن هؤلاء الشبان شاهدوا زملاءهم وأصدقاءهم وهم يلقون مصارعهم أمام أعينهم، ورأوا مدنهم وهي تحترق، وأخواتهم وهن يغتصبن، وأنا مندهش حيال كبحهم لجماح أنفسهم.
لقد بدا أن هناك القليل من كبح الجماح في المصير الذي لقيه القذافي وابنه المعتصم ورئيس قواته المسلحة الموالي له وحراسهم، كما أن كبح الجماح ليس بالكلمات التي ترد على الذهن لدى قراءة الأخبار عن الجثث المتحللة التي اكتشفت في سرت، والتي قيدت أيدي أصحابها وراء ظهورهم، ولكن على الأقل فإن المسؤول الليبي قدم لمحات من تفسير مقنع خلافا لكبار المسؤولين الليبيين الآخرين الذين أكدوا في البداية أن القذافي قد لقى مصرعه في تبادل لإطلاق النار، وقالوا في وقت لاحق إنه ربما قتل على يد الموالين له الذين أرادوا له أن يلزم الصمت إلى الأبد.
لقد قتل القذافي في غمار غضب عارم وجموح إلى الانتقام وعرض جثمانه على العامة على امتداد أيام عدة، أو هذا هو على الأقل ما تشير إليه البراهين المتاحة حاليا.
ليس من الواضح تماما ما إذا كانت الحكومة الليبية المؤقتة قد أرادت أن يلقى القذافي مصرعه، أو أنها عجزت عن فرض الانضباط العسكري في صفوف قواتها في مصراته، ويبدو أن الاحتمال الأخير هو الأكثر ترجيحا، وربما الأكثر إثارة للقلق.
فوجود جماعات مسلحة خارج نطاق القانون خارج سيطرة الحكومة لا يعد مؤشرا يدعو إلى التفاؤل بشأن الاستقرار في مستقبل ليبيا. إذا فما هي الخطوة التالية بالنسبة لليبيا بعد أن لقي الطاغية مصيره؟ من المحزن أنه في أعقاب مصرع القذافي تبدو الكلمات المفعمة بالأمل التي قالها فيليب كيرش مسؤول حقوق الإنسان بالأمم المتحدة أصعب في إمكانية تصديقها، حيث قال: إن بزوغ فجر عهد جديد يتيح فرصة للمجلس الوطني الانتقالي الليبي وللحكومة المؤقتة المقبلة في ليبيا لإحداث قطيعة مع الماضي، وذلك من خلال إقرار القانون وإعادة بناء مؤسسات دولة قائمة على احترام حقوق الإنسان وحكم القانون.
لقد مضى القذافي إلى رحاب الماضي، ولكن مشكلات حقوق الإنسان في ليبيا لا تزال ماثلة للعيان، بينما من شأن القيام بتحقيق أصيل وموضوعي في ملابسات مصرع القذافي أن يبعث إلى العالم برسالة طويلة مفادها أن عهدا جديدا قد أشرقت شمسه في ليبيا، فإن هذا يبدو أمرا غير محتمل الحدوث، ويأمل المرء أن المصير الدموي للقذافي ليس مؤشرا إلى ما يتوقع حدوثه مستقبلا في ليبيا.
