يشتهر سكان شمال إفريقيا بثقافة كرم الضيافة غير المحدود، لكن نتيجة لتاريخهم الصدامي مع الاستعمار الأوروبي، فإنهم يدركون تماماً أنه لا يوجد شيء من قبيل غداء مجاني في السياسة الدولية.

وعلى الرغم من شعورهم بالامتنان الجزيل لتدخل التحالف الذي قاده ناتو، فإن بعض الليبيين يتساءلون حول الدوافع الإنسانية المعلنة للتحالف، حيث تشير الفطرة السليمة إلى أن الدول لا تنفق مئات الملايين من الدولارات، في ظل ركود اقتصادي حاد، انطلاقاً من الشعور بالضرورة الأخلاقية.

ومن منظور أعضاء التحالف، فقد آن الأوان الآن لجردة حساب حول الكيفية التي يمكن لنصر الثوار أن يعزز مصالحهم وطنية. أليس من الإنصاف أن يتوقعوا نوعاً من المكافأة؟ أو بالنظر إلى الموضوع بكليته، هل قوات التحالف قاتلت حربا أخلاقية لحماية تحرك المدنيين الساعين إلى التحرر من الطاغية، أم أن المجلس الوطني الانتقالي الليبي وظف التحالف كأشباه مرتزقة؟

ومع اقتراب إعلان الحكومة المؤقتة، فإن السياسيين الليبيين يدرسون بجدية التزاماتهم الأخلاقية تجاه حلفائهم. هل ينبغي أن يسدد المجلس الانتقالي علناً التزاماته نحو كل الدول التي دعمته بعقود نفطية على حساب الدول التي لم تفعل ذلك؟ وإذا قام المجلس بانتهاج هذا النوع من السلوك، فهل يعتبر هذا سلوكا شريفا، أم قائما على الرشوة؟ إن معظم الليبيين يتوقعون أن يكون هذا السلوك هو انعكاس للواقع السياسي، وكثيرون يعتقدون بأنه فضيلة، لكننا لا نعتقد ذلك.

 

عائد جيد

هناك حجة قوية تدعونا إلى القول إن تلك الدول التي دعمت الثورة الشعبية الليبية سوف تحصل على عائد جيد لاستثماراتها من خلال الإطاحة بالقذافي. فبعد انهيار الاتحاد السوفييتي، وعدت القوى الغربية جمهورها بتوزيع أرباح السلام، وهذا التعبير تمت صياغته للإشارة إلى الأرباح الدولية المتوقعة نتيجة لتراجع الإنفاق المسرف على الأسلحة ولتحول الدول الشيوعية السابقة إلى محركات للنمو الاقتصادي وإلى أسواق جاذبة للسلع والخدمات الغربية.

ويسلم الاقتصاد الحديث بأن توزيع الأرباح يفترض ان يكون إيجابياً على الجميع بطبيعته، بمساعدة المنتصر والغازي ودول الطرف الثالث على السواء. وفي الحقيقة، فإن فترة التسعينات من القرن الماضي كانت أوقاتاً من النمو الاقتصادي والاستقرار العالمي.

ونعتقد بأن باقي المجتمع الدولي سوف يكسب من توزيع غنائم السلام لكن بنسب أقل نتيجة لتغيير النظام الليبي. في السابق، كان القذافي قد عزل الاقتصاد الليبي وراء جدران من البيروقراطية وعدم الكفاءة ونظام شبه اشتراكي فاسد. وقد أنفق الكثير على الأسلحة والإرهاب، وسبب أحياناً خسائر جسيمة في الأرواح، وحتى عندما نبذ الإرهاب وبرنامج أسلحة الدمار الشامل بعد 2003، استمر في التحرش بالسياسة الداخلية للدول الأخرى. إن منافع عدم التعامل مع دبلوماسية القذافي الشاذة تعتبر من الإيجابيات التي لا تحصى للنظام العالمي، كما أن قيام نظام مستقر في ليبيا يزيد بشكل كبير من إمكانية تدعيم الثورتين التونسية والمصرية.

وتواجه ليبيا ضغطاً للاستثمار في أعداد السكان الهائلة من الشباب العاطلين عن العمل. وبوجه خاص لدى ليبيا عجوزات في التنمية في كل القطاعات تقريبا، بما في ذلك تكرير النفط والبنية التحتية والنقل والتعليم والصحة، باختصار، سوف تكون هناك فرص أعمال كثيرة لكل الدول المؤهلة، في الوقت الذي تبدأ ليبيا انطلاقتها التنموية التي طال انتظارها. ولقد تحدث رئيس وزراء المجلس الوطني الانتقالي محمود جبريل عن مشاريع إنفاق بما قيمته 450 مليار دولار على مدى العقد المقبل.

 

الابتكار والكفاءة

وسيستفيد العالم أكثر بكثير، إذا قررت القيادة الليبية منح هذه العقود على أساس الجدارة بتشجيع الابتكار والكفاءة، بدلاً من منح تلك الدول التي ساعدتها خلال الثورة عقوداً من قبيل الرشوة. ومما يدعو إلى الأسى قيام بعض القادة السياسيين الغربيين بإلحاق الضرر بعملية انتقال ليبيا إلى الديمقراطية وبمصالح دولهم الوطنية من خلال سوء فهم مبدأ توزيع حصص السلام. وكان وزير الخارجية الفرنسي، ألان جوبيه قد قال على محطة إذاعة أر تي أل أخيراً أنه سيكون من المنصف والمنطقي أن تستفيد الشركات الفرنسية من الدور الفرنسي البارز في دعم الثوار.

وفي سياق مشابه، كان وزير الخارجية الإيطالي فرانكو فراتيني، قد أعلن بحزم على المحطة التلفزيونية راي عند سقوط طرابلس في 22 أغسطس الماضي، أن شركة النفط الإيطالية اني سوف تلعب الدور الأول في مستقبل ليبيا نتيجة للدعم الإيطالي لحملة ناتو. وهذه التصريحات، وما يرافقها من ضغوط سياسية لا محالة، تقوض سعي ليبيا للتخلص من ثقافة الفساد المزمنة التي اتصفت بها حقبة القذافي.

والآن بعد تحرير ليبيا رسمياً وعودة وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون من زيارة إلى طرابلس في توقيت جيد، فإن مسؤولي الخارجية الأميركية يصغون بالتأكيد إلى موجز لكيفية جني الأرباح الاستراتيجية من التدخل الأميركي. وينبغي عليهم مقاومة إغراء الطلب من الليبيين التسديد على شكل عقود تفضيلية. وبالتأكيد، لا يوجد شيء، لا نفط ولا عقود ولا بنى تحتية ولا عقود دفاع، أفضل من قيام ليبيا كبلد قوي معتدل ومستقر يحسن اختيار شركائه في الأعمال، بناء على مؤهلاتهم بدلاً من جنسيتهم.

ولا يتعين على قوى التحالف أن تطلب من المجلس الوطني الانتقالي المتاجرة بكنوز ليبيا الهائلة. والقيام بذلك يحط من القيمة الهائلة لما قام به ناتو من أجل ليبيا. والطريقة الصحيحة الوحيدة التي يمكن لليبيين تسديد باقي العالم مقابل تحريرهم من القذافي ليس باللجوء إلى الرشاوى، وإنما باتخاذ الخيارات الصعبة المطلوبة لتأسيس مستقبل ديمقراطي مفتوح اقتصادياً وقائم على الجدارة

 

تفاخر

على الصعيد الاقتصادي، تتفاخر ليبيا بعملتها المستقرة وصافي موجوداتها الأجنبية التي تبلغ اكثر من 150 مليار دولار، وهي في موقع للعودة إلى فائض ثابت في الميزانية مع العودة الكاملة لإنتاج النفط. وتعتبر ليبيا في ظل حكومة تكنوقراط مدارة بشكل جيد وملتزمة باقتصاد السوق حلم المستثمر الأجنبي. والتوقعات الاقتصادية الكلية القوية تنبع من عدد سكانها المتواضع ومساحة أرضها البكر وموقعها الاستراتيجي وإمكانية إنتاج نفطي يناهز بكثير إنتاج ما قبل الثورة والبالغ 1.7 مليون برميل من النفط يوميا.