شكل إحراز النصر من جانب الثوار الليبيين في سرت مبررا للاستخدام المسؤول للقوة الذي أجازته الأمم المتحدة، لكن هذا الأمر لا يصح في كل مكان وزمان، وكان التدخل مثيراً للجدل، حيث كانت هناك مخاوف من تجاوز ناتو تفويض الأمم المتحدة، وسيؤثر مستقبل الثورة الليبية في قدرة أي تحرك دولي بالمستقبل على منع أي فظائع تلوح في الأفق.
وجاء تفويض الأمم المتحدة في جانب منه نتيجة لإعلان 150 رئيس دولة وحكومة أنه إذا لم تحم الدول شعوبها من الفظائع، فإن المجتمع الدولي ينبغي عليه أن يتحرك للقيام بذلك، وعند الضرورة باستخدام القوة العسكرية. وهذا هو جوهر مبدأ مسؤولية الحماية. وكان أحد مؤسسي هذا المبدأ، غاريث إيفانز، وهو وزير خارجية استرالي سابق، قد قال أخيرا ان هذا المبدأ مجسد الآن في الخطاب الدولي وبشكل متزايد في الممارسة الدولية.
وقد شدد إيفانز على خمسة معايير لتحديد ما إذا كان استخدام القوة يتصف بالشرعية أم لا، وهذه المعايير هي: أن يكون التهديد خطيراً، وأن يكون استخدام القوة لتجنب هذا التهديد وليس لدوافع خفية للمتدخلين، وأن يجري استخدام القوة كخيار أخير، وأن يكون متناسباً في القوة، وأن يكون ميزان النتائج في صالح من تتم مساعدتهم.
ولقد استندت بريطانيا وفرنسا إلى هذه المبادئ الحيوية بالتشديد على الشرعية والدعم الإقليمي وتحقيق النتائج، وكان التخوف من انجرافهما في اقتراح تدخلات أخرى، قد تبدو ضرورية لكنها لا تلبي تلك المعايير، تخوفا ضئيل الاحتمال، فما أن ابتعدا عن الحذر حتى وقف المجتمع الدولي لهما بالمرصاد.
وليبيا لا تشكل سابقة للتدخل في العالم العربي، والأوضاع التي كانت قائمة في مارس الماضي مثلت تحالفا نادرا بين ثلاثة عوامل، هي: مطالبة شعبية مقنعة من ضحايا الحكومة الليبية التي لم يكن لديها إلا قلة من الحلفاء، ودعم إقليمي للتدخل من الجامعة العربية بشرعية دولية مستندة إلى مجلس الأمن، ومهمة عسكرية متواضعة مقرونة باستراتيجية خروج مقنعة.
وكان الخط الذي سار عليه رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون بعد مصرع القذافي سليماً: لا محاضرات حول السبيل الذي رسمه الليبيون لأنفسهم أصلاً، وإدراك أن هذا الأمر كان إنجازاً ليبياً، مع الارتياح المبرر للدور الذي يقوم به الأجانب، والاعتراف بضحايا القذافي في أي مكان، واستعداد لدعم عملية الانتقال.
وسيستمر الجدل لبعض الوقت حول ما إذا كان ناتو قد التزم بمعايير التناسبية، لكن باستثناء هذا الاحتمال، فإنه من المؤكد أن ناتو بقيادة بريطانيا وفرنسا قد أنجز الأمر على ما يرام. وفوق كل شيء، الليبيون الآن لديهم الحرية في رسم مستقبل افضل.
ويشكل مصرع القذافي التحدي الدولي الأول أمام الحكومة الليبية الجديدة: أي كيفية التوفيق بين الدعوات من الخارج إلى التحقيق، وبين الشعور داخل ليبيا بأن رجلاً شريراً ورط الناس في الحرب حصل على ما يستحقه.
ويتعين على المجتمع الدولي التوضيح أن الإعدام خارج نطاق القضاء وقتل السجناء هما أمران خاطئان أينما حدثا. لكن سيكون من غير الحكمة الإسهاب طويلا في هذه النقطة، في اطار النهاية الفوضوية للقتال الدموي في سرت. والقيام بذلك، يشجع الدعوات إلى القيام بالتدقيق والتمحيص بعمليات قتل أخرى سيئة الصيت مرتكبة من قبل دول تعتبر حليفة لنا، وهذا بالطبع ما يفترض ان يكون عليه الوضع في ظل عالم اكثر عدلا.
لقد سلب مصرع القذافي عائلات الضحايا من الليبيين والبريطانيين فرصة رؤيته يحاكم، وكانت رؤيته في محكمة الجنايات الدولية يمكن ان تشكل إشارة قوية للحكام السيئين في أماكن أخرى، لكن تجاوز الماضي قد يشكل مساعدة أكثر منه إعاقة لتقدم ليبيا الآن.
لقد انهى غاريث إيفانز كلامه أخيرا بالتماس يدعو فيه إلى تطبيق مسؤولية الحماية بحذر في المستقبل. ويقول إنها أفضل طريقة لإطفاء نار الجدل على المستويات العليا حول ما إذا كانت نتائج العمليات تشجع التدخل أو عدم التدخل في المناسبات المستقبلية.
الآن، يمكن الجزم ان خطراً جدياً قد تم تجنبه في ليبيا، ويتمثل في ان التدخل لم يشجع مصالح الأجانب على حساب الليبيين، وان العواقب كانت إيجابية، وقد حصل الليبيون الآن على الفرصة التي يبتغونها.
نظرة تفاؤلية
على الرغم من أن مستقبل ليبيا لا زال يكتنفه الغموض، إلا ان هذا لا يثير التساؤلات حول ما إذا كانت القوات الغربية على حق فيما قامت به، وما يدعو إلى التفاؤل وجود الروح الوطنية الليبية، وعادة التشاور والتعاون فيها، وثروتها، إلى جانب المساعدة الدولية المحدودة والهادفة، وهذه كلها سوف تسود مع الوقت ويجري تغليبها على المخاطر التي يمثلها غياب هيكلية سيطرة مدنية واحتمال التحزب وعدم اليقين حيال السياسة اليومية.
ولا يفترض رؤية الهوية الاجتماعية الخاصة بالانتماء إلى القبيلة، أو بوجود أقلية غارقة في أفكار العنف لإعادة تنظيم العالم، عاملين مغيرين لقواعد اللعبة، بل ستكون الثروة النفطية قوة جامعة بدلاً من أن تكون سبباً للخلاف، كما أن الأسباب التي تقوي أواصر ليبيا وتجنبها الفراغ في السلطة ستتعزز. وتشكل هذه تحديات جدية كانت ضمن تخطيط الليبيين لعملية الانتقال.
