لا أحد في إسرائيل يصف الاتفاق الذي أبرم لإطلاق سراح الأسير الاسرائيلي جلعاد شاليط بأنه صفقة جيدة. فهي على الكثير من المستويات تبدو شيئاً رهيباً. فقد أفرجت اسرائيل عن أكثر من ألف أسير، وعدة مئات منهم متشددون، وذلك مقابل الإفراج عن جندي اسرائيلي واحد.
ولأول مرة، تقبل تل أبيب أساساً بأن يتم إملاء شروط عليها من منظمة مسلحة بالإفراج عن قائمة السجناء، بمن فيهم العديد من المسؤولين عن قتل إسرائيليين، وهي الفكرة التي لم تكن واردة من قبل. وربما تكون اسرائيل بذلك قد أعطت أعداءها حافزاً لخطف المزيد من الجنود.
وعلى الرغم من هذه الحقائق، فإن صفقة شاليط حصلت على موافقة مجلس الوزراء الاسرائيلي بأغلبية ساحقة (موافقة 26 عضواً مقابل معارضة ثلاثة فقط)، والغالبية العظمى من المواطنين الإسرائيليين تؤيد ذلك. ومن خلال الموافقة على صفقة تبادل الأسرى هذه، فإن رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو و الرأي العام الإسرائيلي قد اختارا العودة إلى جذورهم، لإحياء مبدأ المركزية للإيديولوجية الاسرائيلية القديمة، التي مفادها أن اسرائيل لا تترك عسكرييها في ميدان المعركة.
مأساة شاليط
ويعتبر هذا المبدأ قديماً قدم اسرائيل نفسها. فهو ينطلق من حقيقة أن القوات الإسرائيلية هي قوات تقوم على شمولية التجنيد، وأن كل أسرة اسرائيلية تعلم أنها قد تواجه المأساة نفسها التي واجهها شاليط. وفي داخل الجيش نفسه، فإن تمارين نقّالة الجرحى التي يتم خلالها توجيه الأمر للجنود في التدريب بحمل أحد الرفاق على محفة والصعود به فوق تلال والنزول به أسفل الأودية لمسافة أميال، تعتبر أحد الطقوس التكوينية التي تهدف إلى غرس رسالة، مفادها أنه لا توجد أبدا حالة لا يمكن فيها أن يعاد الجنود جرحى إلى اسرائيل.
ويتم تدريس هذه التعليمات في الجيوش الأخرى، أيضا، لكنها لها صدى مختلف في إسرائيل. ومنذ لحظة اعتقاله، أصبح جلعاد شاليط اسما مألوفا. ولنقارن ذلك بالصمت في الولايات المتحدة فيما يتعلق بـ باو بيرغدال، ذلك الجندي الأميركي الرهينة لدى طالبان منذ يونيو 2009. ومنذ أسر شاليط، استبدت بالكثير في المجتمع الإسرائيلي مشاعر مفادها أن الحكومة فشلت في التزامها تجاهه.
ومع تداعي مكانة إسرائيل على الصعيد العالمي و التمزق الذي أصاب تماسكها الداخلي، فإن نتانياهو بحاجة ماسة إلى استعادة معنويات اسرائيل.
اتفاق تبادل الأسرى
ويأتي إطلاق سراح شاليط في وقت لم يعد هناك الكثير من الافتراضات القديمة لإسرائيل بشأن جيرانها. وفي الوقت الذي تحتشد اسرائيل لعبور الاضطرابات الاقتصادية والسياسية التي تجتاح منطقة الشرق الأوسط ومختلف أنحاء العالم، فإن اتفاق تبادل الأسرى يمثل عودة إلى الأفكار الأساسية لإسرائيل، وهي فرصة للسياسيين والمواطنين على حد سواء لطمأنة أنفسهم إلى إسرائيل اليوم، في بعض النواحي، لا تزال هي البلد نفسها التي نشأ فيها العديد منهم. لقد كان الدافع وراء اتفاق مبادلة شاليط هو إدراك المؤسسة الأمنية الإسرائيلية أنها لا يمكنها انقاذ جندها الأسير. كان واقعة أسر شاليط، عبر الحدود انطلاقاً من غزة، بمثابة فشل ذريع للقوات الاسرائيلية .
وفي السنوات الخمس التي انقضت منذ عملية الاختطاف، كان الجيش الاسرائيلي يخبر الحكومة باستمرار أنه ليست لديه الوسائل لإطلاق سراح الجندي الاسرائيلي الذي تم أسره خارج الحدود. وباعتراف الجميع، وعلى مدى الجيل الماضي، أصبح أعداء إسرائيل أكثر تطوراً. لكن هذه الصفقة، جنباً إلى جنب مع افتقار إسرائيل للجوء إلى الخيارات العسكرية لمواجهة التهديد النووي من قوى إقليمية، قد خلّف لدى الاسرائيليين شعوراً بالضعف.
الربيع العربي
وتضاعف هذا الشعور بالقلق والاضطرابات جرّاء الربيع العربي. وفي السابق، عندما كانت إسرائيل تتمتع بعلاقات وثيقة مع مصر والأردن، و إلى حد ما يسود الهدوء على حدودها مع سوريا، كان يمكنها أن تركز بشكل حصري تقريبا على التهديدات الأمنية من القوى المسلحة العربية الأخرى. ولكن في ظل حالة عدم الاستقرار في المنطقة، فإن إسرائيل تعمل في منطقة مجهولة وشعبها يعرف ذلك، و القلق في الشارع واضح. ومما يجعل الأمور أكثر سوءاً، أن طلب إقامة دولة فلسطينية في الأمم المتحدة يكشف حقيقة أن إسرائيل أصبحت أكثر تهميشاً على الساحة العالمية من أي وقت مضى.
وبالنسبة لتركيا، التي كانت يوماً ما حليفاً راسخاً لاسرائيل ، فقد غيّرت موقفها تماماً ضد تل أبيب. وفي الوقت الذي خسرت اسرائيل أصدقاءها في مختلف أنحاء المنطقة وحول العالم، فقد بدأت تتساءل عما إذا كان يمكنها التوصل الى اتفاق بشأن شاليط بنجاح بدون مساعدتهم. وقررت أن تتحرك بينما ظلت الخريطة السياسية مألوفة.
وفي حال نجاح الرئيس الفلسطيني محمود عباس في الحصول على موافقة من الجمعية العامة للأمم المتحدة بالاعتراف بالدولة الفلسطينية، سوف يشكل ذلك ضربة كبيرة لإسرائيل. ولو تم ذلك، لكان دفع بفرض عقوبات على اسرائيل لاحتلالها أرض عضو آخر بالجمعية العامة و لطالب هذا العضو بإجراءات ضدها في المحاكم الدولية. أمل ضئيل
في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، ترك عباس الاسرائيليين بأمل ضئيل للسلام. فقد كشف رفضه الاعتراف باسرائيل كدولة يهودية، أو التخلي عن طلبه للحصول على حق العودة للاجئين الفلسطينيين إلى داخل إسرائيل عن أن الصراع ليس على وشك الحلّ.
واعترف الإسرائيليون بأنهم كان يتعين عليهم أن يتعلموا كيف يمكنهم التعايش مع هذا النضال، وليس مع حلم بالتوصل إلى حلّ. و بالنسبة للكثيرين، فإن هذا يعني بشكل دوري القبول باتفاقات مثل مبادلة شاليط، للحفاظ على الأسس اللازمة لضم أبنائها إلى الجيش الذي قد يخوض حروباً لأجيال، تحتاج حكومة إسرائيل أن تظهر أنها لا تزال ملتزمة بإعادتهم إلى إسرائيل بأي ثمن.
