في أواخر سبتمبر الماضي، تجرّأت مجموعة بائسة تتألف من عدة مئات من الناشطين الليبراليين على اقتحام قلب أميركا الاقتصادي في وول ستريت احتجاجاً على ما اعتبرته عدم مساواة بشكل متزايد في الدخل في البلاد، والقبضة الخانقة لأموال الشركات على الديمقراطية في الولايات المتحدة. وعلّقت حركة "احتلوا وول ستريت" الآمال على اجتذاب الألوف من المحتجين، لكن الإقبال انتهى إلى نسبة أقل على نحو مخيب للآمال. واقتصرت تغطية الاحتجاجات على وسائل الإعلام الليبرالية فقط، ومقالة في صحيفة "نيويورك تايمز" استحوذت على مشاعر الكثير عندما رفضت هذه الاتهامات بأنها "كرنفال" و "مسرح الشارع". يمكن أن يغفر للمرء التقليل من شأن هذه الاحتجاجات بوصفها فشلاً آخر للسياسة الشعبوية التقدمية في عصر تقتصر الطاقة الشعبوية على الحركات اليمينية المحافظة المناهضة للحكومة. يا له من فرق ذلك الذي أحدثه بعد مرور شهر من الاحتجاجات! إن حركة "احتلوا وول ستريت" لم تكتب لها النجاة فحسب، بل سيطرت على مخيلة الجموع من الأميركيين الذين يشعرون بالمرارة. فقد أصبحت قوة قومية لديها إمكانية حقيقية للغاية لتعكير صفو السياسة الأميركية بشكل جوهري. وظهرت مجموعات أخرى في المدن في أنحاء الولايات المتحدة، وبدأت الآن تنتشر عالمياً، بما في ذلك لندن، أخيراً. وتقفز نقابات العمال الأميركية إلى المشهد، وتظهر التضامن مع حركة تفصح عن الكثير من الآراء العمالية المناهضة للشركات. ومن هنا أيضا يظهر الساسة الديمقراطيون الذين يستكشفون تحولاً في الرياح السياسية. وتتعامل وسائل الإعلام الرئيسة الآن مع "المحتلين" على أنهم محتجون سياسيون لديهم شرعية، بدلاً من كونهم مجموعة من الأشخاص من الذين لا يعرف أحد لهم اتجاهاً. وفي استفتاء أجرته مجلة "تايم" الأميركية، صوّت 54 ٪ ممن شملهم الاستفتاء بالإيجاب لصالح احتجاجات وول ستريت، و 25 ٪ منهم قالوا إن لديهم مواقف "محبذة للغاية" منها. إذن، ما الذي يحدث بالضبط في أميركا؟ باختصار، فإن الأميركيين يتم تعنيفهم. فالملايين يكافحون مالياً، و الكثير منهم ليست لديهم وظائف أو أنهم لا يتم استغلال كامل قدرتهم على العمل. ولا يستطيعون سداد فواتيرهم. وينزلقون بشكل أعمق في ديونهم الشخصية. فهم يفقدون الأمل في تحسن الأمور في المستقبل المنظور. والأسوأ من ذلك كله، أنه في حين أنهم يتراجعون نجد أن أقلية صغيرة يبدو أنها تقفز مسافة أبعد إلى الأمام.

لقد تسببت وول ستريت والبنوك الكبرى في انهيار السوق الذي كلّف فقدان الملايين من فرص العمل

و أغرق الاقتصاد الأميركي في حالة شبه كساد. وبعد مرور ثلاث سنوات، لا تزال النخبة المالية في أميركا تزدهر، في حين أن نسبة الـ 99% الأخرى تعاني. وفي الوقت نفسه، يبدو أن واشنطن عاجزة تماماً عن وقف التدهور في الاقتصاد الأميركي، ويرجع ذلك أساساً إلى العرقلة المستمرة من جانب الحزب الجمهوري.

وفي بعض جوانب المسألة، فالأمر الأكثر إدهاشاً بشأن حركة "احتلوا وول ستريت" والدعم الذي تحظى به، لا يكمن في أنها حدثت، ولكن صراحة في السبب وراء استمرارها طويلاً.

وعلى امتداد التاريخ الأميركي، اندلعت الحركات الشعوبية في مواقف مماثلة. وفي أوائل القرن العشرين، نشأت الحركة التقدمية في جانب منها كرد فعل لحالة الفساد التي انتشرت بسبب الرأسمالية البارونية اللصوصية. وفي مطلع الثلاثينات من القرن الماضي، وبعد الانكماش الاقتصادي الأسوأ في التاريخ الأميركي، استحوذ الديماغوجيون الشعبويون مثل "هيوي لونغ" على مشاعر الملايين. وفي الواقع، كان الإعلان المشين من جانب الرئيس الأميركي الأسبق فرانكلين روزفلت في عام 1936 بأنه يرحب بكراهية طبقة الأثرياء الحاكمة كانعكاس لضعف سياسي، ليس من جانب اليمين، ولكن من جانب اليسار المتطرف. إنها مشكلة يود الرئيس الأميركي باراك أوباما أن يواجهها.

وتعد تلك واحدة من ألغاز السياسة الأميركية الأخيرة. ففي أعقاب الحرب الكارثية التي شنّها رئيس جمهوري والأزمة الاقتصادية التي اندلعت بسبب جشع وول ستريت، لم يكن الرد من اليسار ولكن من الحركة الشعبوية اليمينية التي استهدفت بشكل مباشر في كراهيتها "الحكومة الكبيرة" والاشتراكي المفترض في البيت الأبيض.

وتمضي مثل هذه المشاعر المناهضة للحكومة، والميل للنظر إلى الحكومة على أنها أصل المشكلات في أميركا، مواتية للمشاعر الشعبوية المحافظة التي حددت السياسة الأميركية منذ أواخر الثمانينات. لقد مضى وقت طويل منذ أن أضرمت الشعبوية الاقتصادية الليبرالية و المناهضة للشركات النار بين الأميركيين العاديين. أما بالنسبة للاحتجاج الشعبي، فقد كان أقل نجاحاً في تعبئة الرأي العام. وهي تثير التساؤل حول ما يعني كل هذا بالنسبة للسياسة الأميركية، وبصفة خاصة في انتخابات الرئاسة العام المقبل. هناك بالتأكيد إمكانية أن المتظاهرين، والكثير منهم قد استكن تماماً على هامش السياسة الأميركية، سوف يثيرون ردود أفعال، أو أن الحركة التي لا تزال تفتقر إلى جدول أعمال واضح، سوف تتلاشى تدريجياً.

لكن هناك احتمالاً حقيقياً آخر، يتمثل في أن حركة "احتلوا وول ستريت" سوف تؤثر في المسار قريب المدى للسياسة الأميركية. وفي حين أن العديد من المحتجين غير راضين عن الرئيس التقدمي الحالي، فإن مظالمهم ومطالبهم تأتي إلى حد كبير متوافقة مع إستراتيجية أوباما لإعادة انتخابه.