في صيف عام 2011، وخلال زيارة إلى مركز التدريب الإقليمي للجيش الأفغاني في ولاية هلمند، التقيت بمجموعة متدربين لم يمض على التحاقهم بالمركز أسبوعان.
لكنهم بدوا بمستوى أي مجموعة من الجنود الأميركيين على مستوى التدريب الأساسي. كما بدا المدربون العسكريون الأفغان بكفاءة المدربين الأميركيين ويتمتعون بالغرور نفسه. ولفهم التقدم الأميركي في أفغانستان، فإنه من المهم معرفة أين تركزت مواردنا، وكيف تم تخصيصها، وما الخطوات التالية.
وبالتأكيد، تنتظر أميركا وشركاؤها في التحالف تحديات جمة يفترض حلها في أفغانستان، لكن هناك مكاسب أكيدة في كل مكان انصبت عليها الجهود الأميركية.
في 2009، بذل الجنرال ستانلي ماك كريستال القائد السابق لإيساف، بمساعدة الجنرال ديفيد بترايوس، القائد السابق للقيادة الوسطى الأميركية، جهودا هائلة لوضع حملة شاملة لمكافحة التمرد في أفغانستان. ونتيجة لذلك، كانت هناك زيادة في الموارد وأعداد الجنود والدعم المدني، بالإضافة إلى التحام أفضل على مستوى القيادة.
ويوجد الآن جنود أفغان من التحالف في ولايتي هلمند وقندهار أكثر مما يوجد جنود في القيادة الإقليمية الشرقية، وهو التشكيل المسؤول عن الأمن في الولايات الشرقية الـ14 لأفغانستان. ومع بدء انسحاب 33 الف جندي أميركي وعودتهم إلى أميركا نهاية العام الجاري، فإن حوالي 352 الف جندي أفغاني ورجل شرطة سيحلون مكانهم ليكملوا عملهم. وهناك إشارات واضحة للتقدم المحرز في أفغانستان، وقد استعادت قوات التحالف المبادرة مجددا.
نجحت الاستراتيجية لأنها سعت إلى مطابقة أهداف التحالف مع الموارد المتاحة. وتضمنت أربعة مفاهيم رئيسية، وهي: أولاً اعتماد نهج يبدأ من القاعدة صعودا إلى القمة يستند إلى الحكم الصالح ووجود قوات أمنية مؤهلة والسعي إلى الاختلاط بالمجتمعات المحلية، فوجود قادة محليين طيبين يسهم في إيجاد حلول محلية لمشكلات السكان، ويمنع المتمردين من استغلال المظالم الشعبية حول الأمن والعدالة ونقص الخدمات الأساسية.
لكن جنود التحالف لم تكن لديهم الموارد الكافية لانتهاج هذه السياسة في كل مكان، فوضع مبدأ آخر يعتمد على اختيار مناطق معينة، مثل مناطق سكانية أو مراكز تجارية أو طرق مواصلات رئيسية، تنصب الجهود عليها أكثر من غيرها، ولقد قام التحالف بتحديد ما يقارب ثلث أراضي البلاد وربع مساحة المقاطعات في أفغانستان، على اعتبار أنها تضاريس حيوية من هذا النوع. وفي الوقت نفسه، دعم القسم المدني في التحالف الاستراتيجية بتركيزه على المشاريع التنموية في تلك المواقع الحيوية التي قامت القوات بإخلائها من المتمردين.
والمبدأ الثالث هو القيام فقط بما هو مطلوب لتحقيق أهداف التحالف وليس اكثر، فلا يفترض أن تصل قدرات القوات الأمنية في أفغانستان إلى مستوى القوات الأمنية في الدول المتطورة. فالتحالف ينبغي ان يكون واقعياً بخصوص أهدافه. وعلى أقل تقدير، يتعين على القوات الأمنية إبقاء الأفغان سالمين بالقدر الذي يسمح لهم التمتع بحياة طبيعية. وهذا ما نجحت الشرطة في تحقيقه في 8 مايو 2011 عقب الهجمات المتتالية على مدينة قندهار بإشعار السكان بما يكفي من الأمان لاستئناف حياتهم اليومية على الفور. والمفهوم الرابع للاستراتيجية هو أن طالبان وشركاءها ليسوا أعداء الأفغان الوحيدين.
فوجود مسؤولين يتلقون رشاوى ولا يتمتعون بالكفاءة يؤدي إلى إبعاد الناس، كذلك وجود شبكات محسوبية من المجرمين تعتاش على سوء إدارة المساعدات الأميركية. وقد أوجدت بعض تصرفات قوات التحالف مظالم مشروعة بين الناس، لاسيما لناحية اعتمادها الأولي على الغارات الجوية المكثفة التي ألحقت إصابات بين الناس، أو على أمراء الحرب الشرسين. وخلال السنة الماضية، كانت قضية الإصابات بين المدنيين الأولوية القصوى للتحالف.
حيث تراجعت بنسبة 20% بين عامي 2009-2010 وتدنت بشكل كبير بالمقارنة مع عدد الإصابات التي سببها المتمردون. وإذا تمكنت الجهود المشتركة للأفغان والفرق العسكرية والمدنية التابعة للتحالف من تعزيز قدرات الزعماء المحليين الجيدين، والحد من حرية شبكات المحسوبية، وإصلاح الممارسات الدولية السيئة، فإنها تكون بذلك قد سهلت عملية التعامل مع التمرد. وهذه المهام تزداد أهميتها بعد خروج القوات الأميركية من أفغانستان.
سيطرة مطلقة
في عام 2009، تمتعت جماعة طالبان بسيطرة لا ينافسها عليها أحد في ولايتي هلمند وقندهار الجنوبيتين. وبالاستناد إلى المبادئ الأربعة المذكورة أعلاه، قام التحالف وشركاؤه من الأفغان بوضع مسودة خطة لحملة عسكرية في أفغانستان اطلق عليها «عملية الأمل»، ولقد تمكن التحالف من توجيه ضربة إلى جماعة طالبان في الصميم مستهدفاً قيادتها ومسيطراً على التضاريس والسكان، حيث سرعان ما تمكن بمساعدة القوات الأفغانية من السيطرة على وادي نهر الهلمند الأوسط الذي يشطر الولاية إلى شطرين، واستعادت المنطقة المحيطة بالوادي الاستقرار.
لاحقاً، قامت القوات الأفغانية وقوات التحالف بإخراج جماعة طالبان من مدينة قندهار وضواحيها، وهي مناطق كثيفة السكان، بالإضافة إلى إحكام سيطرتها على الطرق التجارية. وفي الوقت نفسه، قامت بتوسيع المنطقة الأمنية حول كابول في شرق أفغانستان، وتستمر في اعتراض المسلحين على الحدود بين أفغانستان وباكستان.
كما شهدت أجزاء من الولايات الوسطى والشرقية مثل خوست ولغمان ولوكر وننكرهار ووردك، مكاسب ملموسة في مجال الاستقرار. وفي أفغانستان الشمالية، تصدر المتمردون عناوين الصحف باغتيال قادة شرطة الولاية، لكن التضاريس الحيوية للمنطقة، مثل مزار شريف والطريق التجاري على امتداد ممر بغلان - كندز، بقيت آمنة. وأخيراً، في أفغانستان الغربية، تنبض مدينة هرات بالحياة والمنطقة أصبحت مستقرة بما يكفي للبدء بإنشاءات على الطريق لربط الولاية الغربية بادغيس والولاية الشمالية فارياب ووصل هرات بمزار شريف.
وبفضل نجاحاتها، فإن القوات الأمنية الأفغانية حصلت على دعم شعبي على مستوى البلاد وزرعت الرغبة في قلوب الناس للعمل مع الجنود الأفغان والشرطة الأفغانية.واستطلاعات الرأي في ولاية هلمند، أشارت إلى أن أعداد الذين يشعرون بالأمان قد ازدادت أربعة أضعاف منذ عام 2009.
وساعد في ذلك التغطية الأوسع والإيقاع المتسارع لعمليات القوات الأفغانية وقوات التحالف. على سبيل المثال، استعادت القوات المشتركة نهاية عام 2011 مخابئ أسلحة أسبوعياً، بمقدار يزيد أربعة أضعاف عما كانت تستعيده قبل عام.
وبتعابير أخرى، اتسمت استراتيجية التحالف بالنجاح، ويواجه المسلحون قوات امنية أفغانية تتسم بالمزيد من الفاعلية وبوجود حكومي أوسع انتشاراً. ويبدو انهم أدركوا هذا التحول وحولوا استراتيجيتهم نحو استهداف المسؤولين الحكوميين ومراكز الشرطة وكبار السن في المجالس التمثيلية المحلية. ويحاولون شن هجمات تتصف بالمشهدية، مثل الهجوم الأخير على الفندق في كابول، على أمل إضعاف إيمان الناس المتزايد بالقوات الأمنية الأفغانية، ولم يفلحوا في ذلك إلى الآن.
تقدم ملحوظ
وبالطبع كانت هناك إشارات ملحوظة للتقدم في سبل إدارة الحكم السنة الماضية، لا سيما في منطقة وادي نهر هلمند. وقد تم استبدال مئات من المسؤولين الحكوميين على المستوى المحلي بمئات آخرين لديهم مؤهلات أفضل لتسلم هذا الدور. ويتعين على كابول تأمين التمويل اللازم لمساعدة المسؤولين الحكوميين الجدد في تزويد السكان بالخدمات. وتعتبر ولاية هلمند مثالاً واضحاً لهذا التقدم، حيث تم ملء كل الشواغر الحساسة في الخدمة المدنية، الأمر الذي ساعد في ضمان استمرار الحكومة في تزويد الناس بالخدمات الأساسية، بما في ذلك التدخل في الخلافات عندما تفشل آليات العدالة التقليدية في حلها.
وهذا امر حساس، فنظام العدالة الذي فرضته جماعة طالبان، على الرغم من وحشيته، كان وجوده أفضل من غياب أي نظام بالكامل. ودليل «التعاقد لمكافحة التمرد» الخاص بالجيش الأميركي الذي كتبه الجنرال بترايوس عام 2010، صاحبته مبادرات تهدف إلى جعل مساعدات التحالف أكثر شفافية. وفي حين ركزت فرقة العمل «تاسك فورس» لعام 2010 على تصحيح مشكلات التعاقدات داخل التحالف، سعت فرقة العمل المشتركة الأخرى «الشفافية» إلى مقاربة موضوع الفساد.
وباختصار، برهنت الاستراتيجية الجديدة، وقد تم تعزيزها بموارد إضافية، أنها ناجحة في المواقع حيث ركزت أميركا جهودها.
تتمة الأهداف
يستمر الجنود الأميركيون والطواقم المدنية وشركاء أميركا في التحالف الذين لا يزالون في أفغانستان، إتمام أهداف المهمة. ولهذا السبب، يشعر الجنود الأميركيون أن بإمكانهم البدء في العودة إلى ديارهم وهم على يقين بأنهم ينسحبون من موقع القوة. فلقد ثبت بالبرهان أنه حيث تركز القوات الأفغانية وقوات التحالف جهودهما، يحرزان تقدماً.
وفيما نحن نمضي إلى الأمام، ينبغي الحفاظ على الانضباط في تخصيص الموارد والبقاء أوفياء لأهدافنا، ومحاربة كل أعداء الشعب الأفغاني. ويتعين ان نستمر في دعم القوات الأمنية الأفغانية والحكومة من خلال تشجيع القادة الجيدين والإيحاء للآخرين بالانضمام إلى جهود المساعدة.
وإذا حافظنا على هذه الوتيرة، فإنه من الممكن تحقيق ما نرغب به وما يستحقه الشعب الأفغاني، أي بلاد مستقرة بالقدر الذي يضمن للسكان مستقبلاً خالياً من تهديد يعيد القاعدة أو من تمرد يطيح بالحكومة. في المستقبل، قد تندلع حروب جديدة في أمم أخرى نامية تحكم بشكل سيئ. ومن الأهمية أن يستوعب الجيش الأميركي دروس أفغانستان. ويتعين عليه ان يكون طليق الحركة بما يكفي للنجاح في الحروب النظامية والحروب غير النظامية، أو الحروب التي تجمع في سماتها بين الاثنتين.
فالقوى التي بإمكانها التأقلم بصورة أسرع سوف تهيمن على مسرح الأحداث، لقد كانت أميركا كدولة غنية تميل للاعتماد على التكنولوجيا والمعدات المتطورة للاستعداد للحرب. والآن، وفي الوقت الذي يتساءل الأميركيون عن وجود جنودهم في أفغانستان، من المفيد ان نصغي للأمر البديهي الآتي: المعدات تستهلك مع الزمن، لكن القيادة والشعب يبقيان. وفي نهاية المطاف، سوف ينجح الجيش الأميركي من خلال زرع قادة يمكنهم التفكير بشكل نقدي متأقلمين مع الظروف تماماً كما فعلنا في أفغانستان.
ضمان أمن المناطق الحيوية
التخفيض المقرر في أعداد القوات الأميركية في أفغانستان قد يجبر التحالف على إيجاد طرق بديلة لتحقيق بعض أهدافه الأقل أهمية، لكن المنطق الذي يسير الحملة لن يتغير. فسوف تستمر القوات الأفغانية وقوات التحالف في التركيز على ضمان أمن أفغانستان الجنوبية بدعم جهود توسيع الرقعة الأمنية في المناطق الأخرى، مثل وادي نهر هلمند الشمالي ومدينة قندهار وكابول ومزار شريف وهرات وعلى امتداد ممر بغلان - كندز و«الطريق الدائري». ومعظم هذه المناطق هي في الواقع آمنة لا سيما كابول، التي يقطنها حوالي خمس سكان أفغانستان.
ومع فرض الاستقرار في هذه المناطق، فإن القوات الأفغانية وقوات التحالف سوف تنقلان جهودهما على الأرجح شرقاً، حيث القوات الأفغانية بدعم من قوات التحالف تنتظرها معارك ضارية، ومن غير المرجح أنها ستتمكن من القضاء على المتمردين كلياً وقتل جميع زعمائهم أو قطع كل الطرق التي يستخدمونها للتسلل إلى الولايات الشرقية. لكن، يفترض ان تقف أفغانستان في وجه هذه التحديات وتعمل على تجنيب البلاد الوقوع في يد طالبان أو استضافة إرهابيين دوليين، وهذا سيلبي مصلحة أميركا الرئيسية في المنطقة.
وفي نهاية المطاف، سوف يعزز التحسن في أشكال الحكم المكاسب الأمنية ويسرعها، ويعزز ثقة السكان في قدرات الحكومة. وبمعزل عن زيادة الأعمال الإرهابية المتأتية من جيران أفغانستان، فإن القوات الأفغانية بدعم من التحالف يمكنها تحقيق مكاسب لا رجوع عنها، وضمان أمن المناطق الحيوية من أفغانستان بنهاية 2014.
الاستعداد للمستقبل
مع اقتراب موعد الانسحاب، سيبدأ القادة والجنود الأفغان في قيادة المزيد من العمليات في ظل دعم استشاري وتقني من التحالف لا غير. وستكون قوات الأمن الأفغانية قادرة على إدارة أغلبية المهام التنظيمية والإدارية واللوجستية المتعلقة بمهمة مكافحة التمرد بمفردها. بالطبع، سوف تستمر أميركا في مساعدتها بدعم استخباراتي ودعم جوي وإخلاء طبي وقوات تدخل سريع عن بعد، إلى ان تتطور برامجها الخاصة بها. ومن المتوقع ان تستمر قوات العمليات الخاصة الأميركية في العمل في أفغانستان لبعض الوقت.
وفي هذه الأثناء، ينبغي أن تخدم الشرطة الشعب بفعالية بالشراكة مع الجيش الأفغاني، وفي مراكز المدن الرئيسية، بدأ هذا الأمر في التحقق الآن. وستسهم الشراكة مع جنود التحالف في بناء ثقتها بقدراتها لناحية استخدام المهارات التي لديها وتعلم مهارات جديدة، ومع اقتراب موعد الانسحاب، سيطلب منها القيام بمهامها بشكل أسرع.
