ينصب التركيز الأميركي على أفغانستان في مجمله على انسحاب معظم القوات الأميركية المرابطة هناك بحلول 2014 وتقليص كلفة الحرب. وهذه القضايا لها أهميتها، حيث بنهاية السنة المالية 2013، تكون أميركا قد أنفقت على الحرب مبلغ 560 مليار دولار، وبكلفة سنوية تزيد عن 110 مليار دولار هذه السنة.

غير أن الحديث عن تقليص عدد الجنود وتخفيض الميزانية يبدو أسهل من الحديث عن التخطيط لنقل المسؤولية الأمنية والتمويلية للعمليات الأفغانية وإجراء ذلك فعليا، وأسهل من التعامل مع الحقائق الاستراتيجية، فالولايات المتحدة تحتاج إلى إحكام قبضتها على جملة من القضايا الصعبة، لا يتضمن أي منها خيارات سهلة.

أولا، تحتاج واشنطن إلى إعادة تقييم مصالحها الاستراتيجية في وسط وجنوب آسيا، وما إذا كانت هذه المصالح تستدعي المضي في التزامها الرئيسي بتقديم مساعدات إلى أفغانستان وباكستان بعد انسحابها، والرد يمكن أن يكون بالإيجاب، لكن البعض يقول إن افضل طريقة لممارسة هذه اللعبة الجديدة في المنطقة يتمثل بترك الأمور للدول الإقليمية. والمهم هو أن تتخذ أميركا قرارا بشأن استراتيجيتها العليا تجاه المنطقة وأن تعمل بناء عليها، وألا تركز على عملية نقل المسؤولية الأمنية في أفغانستان فقط.

ثانيا، تحتاج أميركا إلى خطط تحدد أن بؤرة الحرب الرئيسية تقع في باكستان، وليس أفغانستان. فعدم الاستقرار في أفغانستان يعد مشكلة، لكن المركز الاستراتيجي للجاذبية يقع في باكستان، فهي دولة نووية تشكل ملاذا لتنظيم القاعدة وطالبان ولمجموعة من الحركات المتشددة المحلية. والعلاقات الأميركية الباكستانية في تدهور مستمر، كما الاستقرار الداخلي لباكستان عمليا.

 مصالح أميركا

ويفيد البعض أن البقاء في أفغانستان وتزويد باكستان بالمساعدات سوف يحمي مصالح أميركا ويؤمن الاستقرار في المنطقة، في حين يعتقد البعض الآخر أن دور أميركا في أفغانستان يعمل على تغذية التوتر مع باكستان، ويذهب البعض الآخر إلى القول إن أميركا ليس بإمكانها القيام إلا بما ندر، وبالتالي يتعين عليها المغادرة. للمرة الثانية، تحتاج واشنطن إلى اتخاذ قرارات واضحة تنبع من استراتيجية عليا.

ثالثا، تحتاج أميركا إلى أن تكون اكثر صدقا حيال المصاعب التي تعترض نقل المسؤولية الأمنية في أفغانستان، والدور الذي يفترض أن تلعبه بعد عام 2014، إذا ما قررت البقاء، فأميركا تحرز انتصارات مهمة ضد طالبان في الجنوب وضد قادتها وكوادرها البارزة. لكن ليس واضحا ما إذا كانت تحرز مكاسب كافية تحول دون تأخير انسحاب جنودها إلى ما بعد 2014، أو ما إذا كان بإمكان الحكومة الأفغانية الاحتفاظ بالمناطق التي تم الانسحاب منها وتشكيل سلطة مدنية وحكم القانون واقتصاد يقوم بوظائفه.

 هجمات إرهابية

وكما تؤكد التطورات الأخيرة، فان المسلحين يشنون هجمات ترهب الشعب الأفغاني، وتسهم في تقليص الدعم الشعبي للحرب التي تشنها أميركا وحلفاؤها، بالإضافة إلى ذلك، فإن حكومة الرئيس الأفغاني حامد قرضاي هي أبعد ما تكون عن الفاعلية، وتتصف بعدم الاستقرار السياسي، وأميركا قد تكون في وارد تحقيق فوز تكتيكي الآن، إلا أن المتمردين قد يكونون في حالة كسب معركة الاستنزاف السياسي، التي قد تصبح حاسمة استراتيجيا في نهاية المطاف.

وستحتاج أميركا إلى حوار صريح حول كل هذه القضايا، وحول ما إذا كانت هناك فرصة لإجبار طالبان على الدخول في تسوية سياسية قابلة للحياة.

إذا بقيت أميركا في أفغانستان، فإنه يتعين عليها أن تدرك أن الحكومة الأفغانية ستكون بحاجة إلى مساعدات لعقد من الزمن، للتعامل مع اقتصاد يتوقع أن يعاني ركودا هائلا إذا تم إجراء تخفيض مفاجئ لمساعدات أميركا أو أي تمويل خارجي آخر ، فالمساعدات الخارجية أعلى بمقدار 14 ضعفا من قدرة حكومة كابول على توليد الإيرادات، والإنفاق العسكري الأميركي والخارجي أعلى بمقدار 30 ضعفا من انفاق حكومة كابول.