في تمام الساعة الثامنة مساءً من كل يوم، يتوقف إرسال الأجهزة الخليوية في عاصمة المقاطعة، وتحت ضغط طالبان، تقوم الشركات الرئيسية بإيقاف بث أبراج الإرسال، الأمر الذي يقطع عمليا أي اتصال مع العالم الخارجي.

وهذا الأمر بات يحصل في أجزاء عدة من نصف مقاطعات أفغانستان، وهو يجسد الوسائل الجديدة والأكثر مكرا التي تلجأ إليها حركة طالبان لتأكيد وجودها، ويصف قادة ناتو المتمردين كقوة متراجعة بقدرة اقل على الاحتفاظ بمواقعها، لكن السؤال المطروح يتعلق بمدى حاجة طالبان فعلا للاحتفاظ بمواقع على الأرض للتأثير على السكان، كما كان الوضع في السابق، وبمرور الزمن تبدو الإجابة على هذا السؤال بالنفي.

فالهجمات بالصواريخ مثل تلك التي شنت على السفارة الأميركية في كابول بتاريخ 13 سبتمبر الماضي، والتي القى المسؤولون الأميركيون مسؤوليتها على جماعة حقاني، تساهم بصورة فعالة في تحويل القتال إلى المدن، حيث يصعب على ناتو الرد باستخدام القوة الجوية، خوفا من إلحاق الأذى بالمدنيين. وكذلك، تسمح لطالبان في التقاط موجات البث لوسائل الإعلام لاسيما في المدن، وإحداث هالة إعلامية.

وفي السياق نفسه، هيمنت حادثة اغتيال برهان الدين رباني رئيس مجلس السلام الأفغاني في 20 سبتمبر الماضي في كابول، على نشرات الأخبار وأحدثت تصدعا خطيرا بين الشمال الذي يتحدث أهلة بلغة الداري، والجنوب الذي ينتمي أهله إلى البشتون، فاصطادت عصفورين بحجر، فطالبان لا تطمح لقتل كثير من الناس على ما يبدو، بل لاصطياد قلة من الذين يشغلون مواقع قوة في الأماكن المناسبة.

واغتيال رباني لم يشر إلى رفض المتمردين عملية السلام فحسب، وإنما شكل أيضا تذكيرا للناس بأن بمقدور طالبان وحلفائها تشكيل الفصل التالي من تاريخ البلاد، فيما يستعد الأميركيون للمغادرة. وفي السياق نفسه، سعت طالبان إلى إعادة إحياء صورتها هذه السنة الأمر الذي وضعها في موقع يسمح لها بلعب دور بارز في مستقبل أفغانستان، وهذه استراتيجية بمسارين.

وتشير المقابلات مع عشرات الأفغان إلى أن طالبان تمكنت على امتداد البلاد، من مزاوجة حملات إرهابية مفصلة لخدمة مصالحها، بمرونة في المواقف حيال قضايا مثل التعليم وتطوير الأعمال. وهذ السياسة تلعب على الغموض الذي يقلق الأفغان من إمكانية انسحاب الأميركيين، وفي الوقت نفسه تعمل على الاستفادة القصوى من الموارد المحدودة لديها. والهدف هو تقويض الحكومة الأفغانية من خلال جعل الناس يتساءلون ما إذا كانت قادرة على حمايتهم، وفي الوقت نفسه محاولة فرض صورتها كحركة اكثر انفتاحا على العالم، عما كانت عليه عندما حكمت البلاد في التسعينات. والى الآن، خصوصا في مناطق البشتون من البلاد، يظهر أن حركة طالبان التي تنتمي عرقيا إلى تلك القبائل، تحقق هدفها في تشكيل مستقبل البلاد ليصبح لقمة سائغة لها.

يقول احمد نادر نادري نائب مدير لجنة حقوق الإنسان الأفغانية المستقلة: إن معنويات المواطن العادي في ولايات قندهار وأورزغان وهلمند والعاصمة كابول كانت في أدنى مستوياتها في يوليو الماضي، مضيفا إنه لم ير من قبل هذا القدر من الخوف والقلق والهم لدى الأفغانيين، سواء المواطنين العاديين أو المسؤولين الحكوميين.

ويضيف: يقول الناس إن قدرة الحكومة الأفغانية على البناء على ما تم تأسيسه من تدابير أمنية تبدو ضئيلة، ويشيرون إلى أن هذه تمثل الأزمة الأكبر التي ستقع فيها الحكومة، بالإضافة إلى ذلك يشعرون بان انسحاب المجتمع الدولي قد بدأ لتوه

ومن المؤكد أنه طالما بقيت قوات ناتو من أفغانستان، لن تتمكن طالبان من فرض أفكارها، لكن في ظل انتقال المسؤولية الأمنية إلى القوات الأفغانية، وهو الأمر الجاري حاليا، قد تتغير الأوضاع، ولا يوجد من يشك بمغادرة القوات الغربية البلاد، لذا في الوقت الذي يشدد ناتو على ان طالبان تخسر مواقعها على الأرض، ربما المتمردون هم في الواقع يكسبون المزيد من الأجواء النفسية.