لا تجتمع الحشود في القاهرة هذه الأيام لشجب الطغيان، بل للهجوم على السفارة الإسرائيلية، أو للتنديد بالمؤسسات الأميركية. في مصر وليبيا وأماكن أخرى، فإن الساحة السياسية المفتوحة تعزز القوى المتشددة بالكامل، ويبدو المزاج الشعبي في تحول على امتداد المنطقة بأسرها. فتركيا تبتعد عن الغرب، والفلسطينيون يمضون نحو سياسة تتسم بالمزيد من المواجهة. فهل تحول الربيع العربي إلى شتاء بغيض؟
قوة إيجابية
في الواقع، الإجابة على هذا السؤال هي بالنفي، فالحركة الديمقراطية في الشرق الأوسط هي قوة إيجابية هائلة بالنسبة لشعوبها وللعالم بشكل أعم. إنه زلزال في منطقة كانت قابعة في سبات عميق لعقود عدة، وسوف يزعزع النماذج التقليدية والممارسات البالية، ويسبب حالة من الاضطراب السياسي، وسوف يكسب الإسلاميون بسبب حسن تنظيمهم المزيد من القوة، في الفترة الأولى، لكن هذا سرعان ما سيحفز المعتدلين لتوحيد جهودهم. ففي إندونيسيا، في السنوات الأولى لسقوط سوهارتو، ازدادت الفوضى وازدادت قوة التيارات المتشددة، أما اليوم، فإن الاعتدال والإصلاح الاقتصادي هما سيدا الموقف.
والربيع العربي كان له تأثير استراتيجي إيجابي، من خلال إضعاف بعض القوى الساعية إلى الهيمنة الإقليمية، والتي كانت تقدم نفسها للشارع العربي كصديق وحليف أيديولوجي، معتنقة القضية العظمى للجماهير العربية، أي فلسطين. لقد قوض الربيع العربي مزاعم هذه القوى، مع بروز حكومة مصرية جديدة أكثر التصاقا بفلسطين مما كان الزعماء العرب أمثال الرئيس المصري السابق حسني مبارك، الذي كان خوفه الشديد من واشنطن يحول دون قيامه بذلك، وهذه الحكومة أبدت استعدادها للتعبير بشكل أكثر وضوحا عن مشاعر الشعب حيال القضية الفلسطينية.
وهذا الوضع، على الأرجح، سيتواصل في المستقبل، والمعلقون الأميركيون الذين أشاروا إلى قلة الشعارات واللافتات المؤيدة لفلسطين في الشوارع خلال الربيع العربي، فاتهم أن هموم الناس الضاغطة في تلك الفترة كانت تتعلق بقضيتي العدالة والديمقراطية، وغياب مثل هذه الشعارات لم يكن يشير إلى غياب القضية الفلسطينية عن اهتمامات الشارع العربي. في الواقع، تظهر استطلاعات الرأي أن القضية الفلسطينية تتصف بقدر كبير من الأهمية على امتداد المنطقة، وكلما كانت الحكومة أكثر ديمقراطية، أصبحت أكثر ميلا لعكس وجهة نظر شعوبها.
وجهة نظر
ولا يوجد نهج ديمقراطي جديد يظهر هذا الأمر بجلاء كما في تركيا، وهي بلاد تحولت في السنوات الأخيرة من دولة شبه ديمقراطية بسياسة خارجية يديرها الجيش إلى دولة ديمقراطية مكتملة النمو. أما رئيس وزراء تركيا، طيب رجب أردوغان، فهو سياسي بالفطرة، ويشعر بالمزاج الشعبي غريزيا، ونتيجة لذلك، توجد في تركيا سياسة خارجية تعكس وجهة نظره ووجهة نظر شعبه، وهذا يضع إسرائيل أمام تحديات جديدة.
فالنموذج الإسرائيلي القديم، القائم على عقد صفقات مع الأنظمة التسلطية، والداعي إلى اعتماد واشنطن على قادة الجيش التركي، لم يعد نافعاً لأميركا بعد الآن، والغضب من الموقف التركي الجديد، غاب عنه أمر شديد الأهمية، ألا وهو طغيان تركيا على غيرها كزعيمة للشارع العربي. وعندما زار أردوغان القاهرة خلال يومي 12 و13 سبتمبر، تم الترحيب به كبطل، وعلقت صوره في المقاهي، وطغت على صورة أي زعيم آخر.
وهذا يشير إلى ندرة القادة في العالم العربي. ويعتبر صعود تركيا الإقليمي في العالم العربي أمرا لصالح المنطقة والعالم بشكل كبير، فتركيا ديمقراطية بروابط عميقة مع الغرب. ولقد وافقت أخيرا على نشر رادار أميركي بدعم من "ناتو" على أراضيها، وهذا يشكل إثباتا لتحالفها العسكري مع أميركا. ولقد اتخذت تركيا، في نهاية المطاف، الموقف الصحيح تجاه ليبيا، وهي ترغب في أن تكون عضوا يحظى بالاحترام في المجتمع الدولي ويمكن التعامل معها.
وسوف يمثل وجود شرق أوسط يتصف بالشعبوية وبالديمقراطية تحديات جديدة، قد لا يسهل التعامل معها كلها، لكن هذه التحديات ستنعكس انفتاحا ودينامية وطاقة جديدة في المنطقة، حيث تطلعات الشعوب مسموعة في النهاية. والربيع في العالم العربي غالبا ما يكون مليئا بالزوابع والعواصف الرملية، لكن سينتج عنه، في النهاية مناخ ينعم بالهدوء والسكينة.
