يعود المسلسل التلفزيوني الدرامي البريطاني "سبوكس" بفكرة رئيسية مفادها أن خدمات الجاسوسية باتت اكثر ضرورة بعد مجيء الربيع العربي واحتمال استلام تيارات متشددة مقاليد الحكم في بعض الدول العربية.
وكل هذا عبارة عن كلام فارغ، طبعا، ويشير إلى الطريقة التي تقوم أجهزة الاستخبارات بإبراز المخاطر الدولية من أجل الحث على إنفاق المزيد من الأموال على خدماتها.
ويصبح رؤساء الوزارات، كما الوزراء، شديدي الانفعال بعد قراءة الوثائق " السرية جدا" التي تتحدث عن خطط ومؤامرات. وليس علينا الذهاب إلى أبعد من رؤى رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير المانوية حول وجود مؤامرة يحيكها المتشددون ضد الغرب، لتراودنا كوابيس توحي بها هجمات الحادي عشر من سبتمبر وانفجارات لندن في يوليو 2005. لكن البدء بتطبيق قصة " الحرب على الإرهاب" على الربيع العربي ليس أمرا ملتويا فحسب، وإنما غير سوي لفهم ما ترمز إليه تلك الحركات في شمال أفريقيا والشرق الأوسط، وما يمكن ان تعينه بالنسبة لنا.
هيكلة غير محددة
ويتميز الربيع العربي بهذه الطبيعة غير المتجانسة والفاقدة لهيكلية محددة، وسيكون من المدهش أن لا تسعى مجموعات دينية بما في ذلك الحركات السلفية المتطرفة إلى ملء الفراغ الذي تركه سقوط الأنظمة التسلطية. وهذا بالتأكيد ما يبدو عليه الوضع في مصر وربما تونس أيضا، وهو الأمر الذي استدعاه القذافي لتبرير استمراره في السلطة، وبالنسبة لليبراليين، فإنه يشكل مصدر قلق حقيقي.
ولكن هذا لا يجعله تهديدا أمنيا للغرب. فهو لم يحصل في العراق، حيث الاحتلال الأجنبي أعطى كل المبررات لحقن المشاعر المعادية للغرب، ولقد وصلت المجموعات الدينية فعلا إلى السلطة في العراق، أما حدوث هذا في شمال أفريقيا والشرق الأوسط فهو أمر أقل احتمالا.
كان الدافع وراء الثورة اقتصاديا في الأساس، مضافا إليه الرغبة في الخروج من حالة الفساد والمحسوبية وعقم الأنظمة القائمة، والتركيز كان بشكل كبير وطنيا ومتمحوراً حول الذات، وليس معاديا للغرب أو أيديولوجيا.
وأسوا ما يمكن ان يفعله الأوروبيون والأميركيون الآن هو ان يشغلوا انفسهم بالثورات، باعتبارها أساسا قضية تتعلق بالاستقرار والسلطة، لكن هذا ما يبدو انهم يركزون عليه، فيما هو يحاولون التأثير في البنى السياسية التي يمكن أن تتشكل، إذا لم يكن توجيهها. ولا تعود للغرب قضية تحديد مستقبل العالم العربي، وما مطلوب منه هو تقديم شراكة في مجال التجارة والتمويل بالإضافة إلى شراكة بشأن المهاجرين واللاجئين. ويقوم الرئيس الفلسطيني محمود عباس بمبارزة ليس إسرائيل فقط بل أيضا أميركا والأمم المتحدة نفسها في محاولته السعي للاعتراف بالدولة الفلسطينية، وكل الجهود تنصب الآن على إخراج الغرب من ورطته، بدعم إعلان الدولة أو معارضة قيامها.
والآن إذا قامت أميركا باستخدام حق الفيتو ضد طلب العضوية، سوف تقف مكشوفة أمام العالم، ليست كدمية لإسرائيل فقط، وإنما كدولة تقف على الجانب الخاطئ من التاريخ، وإذا فشل الأوروبيون في دعم محاولة عباس أو امتنعوا عن التصويت عليها، فإنهم سيكشفون عن ترددهم وخوفهم.
والسيناريو الأسوأ إذا فشلت فلسطين في الحصول على أغلبية أعضاء مجلس الأمن، فإن الأمم المتحدة نفسها، بما في ذلك هيكلية صنع القرار الخاص بمجلس الأمن، سينظر إليها على أنها غير فعالة وقد تجاوزها التاريخ.
وهذا سيشكل سببا إضافيا لمضي الفلسطينيين قدما في سعيهم للحصول على دولتهم، وقد لا يحققون نتائج عملية لكنهم سيحققون الهدف الذي تقدموا بهذه الخطوة من أجله، وهو لفت نظر العالم لهذا الصراع الذي مضى عليه مدة طويلة من دون أن يحرز أي نتيجة، وإذا استطاع جعل الأميركيين والأوروبيين يتشنجون، فإن هذا سيكون للأفضل.
