تجسد صور بارزة عديدة لوقائع الثورة المصرية الجيش المصري في غمار دعمه للثورة التي كان مسرحها ميدان التحرير، فما أن انضم الجنود إلى المتظاهرين وسمحوا لهم بكتابة عبارة «مبارك ارحل» على دباباتهم، حتى غدا المحتجون في الميدان مقتنعين بأن الجيش سيحمي الثورة ويمضي بمصر نحو الديمقراطية. وهذا بالتحديد ما تعهد قادة الجيش المصري بالقيام به، من خلال «ضمان انتقال سلمي للسلطة في إطار نظام حر وديمقراطي، يسمح لسلطة مدنية منتخبة بتولي حكم البلاد», لكن محاولات المجلس الأعلى للقوات المسلحة المصرية تحجيم المعارضة والمسار الديمقراطي زادت من الشكوك حيال النوايا الحقيقية للجيش، فهل سيفي الجيش بوعده في دعم الديمقراطية؟ أم انه سيسعى إلى إحلال سلطته أو سلطة طاغية على صلة ودية به محل سلطة مبارك؟
وبالطبع، كان تأييد المجلس للديمقراطية فاترا في أفضل أحواله، فقد أحال المجلس منذ اندلاع الثورة، إلى المحاكم سبعة آلاف شخص من مدونين وصحافيين ومحتجين، وفي مايو الماضي، قال عضو المجلس، اللواء ممدوح شاهين، إنه يفترض إعطاء الجيش « نوع من الضمانة» في ظل الدستور المصري الجديد يجري بمقتضاها «عدم إخضاع الجيش لأهواء الرئيس»، داعيا إلى عدم خضوع الجيش للرقابة البرلمانية. وفي يوليو الماضي، أعلن الجيش انه سيتبنى المبادئ التي تحكم الدستور، والبنود التي يمكنها أن تقدم له الأسس القانونية للتدخل في السياسة المصرية تحت مجموعة واسعة من الظروف، بما في ذلك حماية الطبيعة العلمانية للدولة.
ولا يبدو القادة العسكريون أنهم يسعون إلى نظام سياسي منفتح يمثل جميع فئات الشعب المصري، بل لإيجاد نظام يسمح لهم بالحفاظ على الكلمة الفصل في السياسة الخارجية للبلاد وبتفادي الرقابة المدنية. والحكومة المنتخبة، بحسب رؤيتهم، تتحمل عبء إدارة شؤون البلاد اليومية، ووطأة أي استياء عام بين الناس. فالعسكر في النهاية يرغبون بحكومة مصرية لا تهدد موقعهم، ويسعون لتشكيل نظام اكثر ديمقراطية من نظام مبارك يبقى رهن مصالحهم، ويراهنون على قبول العديد من المصريين بهذه التسوية، طمعا بالاستقرار.
ديمقراطية العسكر
لقد وجه المجلس بحذر مسار الانتقال السياسي لمصر، وذلك من خلال تمكين وتقوية القوى السياسية التي لا تعارض هيمنته، أو تلك التي هي أضعف من أن تحاول تحدي هيمنته. ولقد تودد إلى شريكين بشكل خاص، هما أحزاب المعارضة العريقة، مثل حزب الوفد، والأكثر أهمية الإسلاميين بمن في ذلك جماعة الإخوان المسلمين، الذين يشاركون المجلس رغبته في الحد من نمو القوى الليبرالية، وإن لأسباب مختلفة، والذين يتمتعون بقوة حشد في الشارع.
وتشديد العسكريين على إجراء الانتخابات البرلمانية هذا الخريف بعد أقل من سنة من خروج مبارك من السلطة، هو الدليل القاطع على نيتهم العمل مع تلك المجموعات لتشكيل مستقبل مصر. وعلى الرغم من أن قادة الجيش يزعمون عن حق بأن الإسراع في إجراء الانتخابات يسرع من إمكانية عودتهم إلى ثكناتهم، إلا ان الجدول الزمني المضغوط يجعل مهمة الأحزاب السياسية الجديدة في استنهاض قوتها مهمة صعبة، ولعل الخطورة الأكبر تكمن في القانون الانتخابي الجديد الذي وضعه المجلس، والذي يحافظ على نظام الدوائر الانتخابية وفق النظام الفردي.
والذي أجرى تعديلات عليه ليصبح ثلث مقاعد مجلس الشعب في البرلمان المصري وفق النظام الفردي، على أن يجري اختيار الثلثين باعتماد القوائم النسبية المغلقة. فهذا القانون يضر بالديمقراطية المصرية، لأنه يعزز قوة سماسرة السلطة المحلية. وكان المسؤولون يترشحون في العادة كمستقلين في ظل النظام السابق، لينضموا فيما بعد إلى الحزب الحاكم بعد انتهاء الانتخابات، وذلك لتأمين نوع من الرعاية لمناطقهم، ويفضل المجلس هذا النمط من النظام المختلط على التمثيل النسبي، الذي يسمح للمصوتين بالاختيار بين مجموعة الأحزاب المتنافسة على مستوى الساحة الوطنية.
ويعمل المجلس أيضا على تأكيد نفوذه على البرلمان من خلال الاحتفاظ ببند يحفظ نصف مقاعد مجلس الشعب لمن يطلق عليهم القانون الانتخابي تسمية «الفلاحين» و»العمال». وكان هذا البند قد تبناه للمرة الأولى الرئيس المصري الأسبق جمال عبد الناصر كوسيلة لتعزيز دور الجماهير، وقد تم استغلاله لاحقا من قبل ضباط العسكر المتقاعدين والطواقم الأمنية كوسيلة لدخول الحكومة، بصفة فلاحين وعمال. ولقد اقر عمرو موسى المرشح الرئاسي الذي خدم كوزير خارجية مصر وكأمين عام لجامعة الدول العربية، بأن 90% من «الفلاحين» هم في الواقع ضباط متقاعدون من الجيش.
ومنذ انطلاق الثورة، سعى قادة الجيش للاحتفاظ بالسيطرة على أدوات حيوية من السلطة وبالتحديد حكام المقاطعات، الذين يجري تعيينهم من قبل النظام ويشرفون على مجمل مشاريع التنمية المحلية، الأمر الذي يجعلهم لاعبين مركزيين في إطار توزيع الولاءات والرعاية. وفي عهد مبارك، فإن ثلاثة أرباع الحكام تقريبا كانوا من الجيش أو الجهاز الأمني أو الاستخباراتي. وبعد الثورة، توقع العديد قيام المجلس بزيادة أعداد الحكام المدنيين، لكن الحكومة الانتقالية في أبريل الماضي قامت على العكس بزيادة عدد المناصب التي يشغلها الضباط العسكريون السابقون.
وفي مواجهة انتقادات الجمهور، ينظر الجيش حاليا في السماح بالانتخاب المباشر للحكام. وفي هذه الأثناء، لم يفوت المجلس أي فرصة لتبرير استمرار الدولة الأمنية، مستخدما التهديد بالثورة المضادة، لما يفترض أنه محاولة للوقيعة بين الشعب والجيش، أو الحديث عن تدخل «أيد أجنبيه» في شؤون مصر. ولقد وجد الجيش أيضا حلفاء له بين وسائل الإعلام، التي شككت بقدرة «الأيادي المرتجفة» للقادة المدنيين على فرض القانون والنظام في أوقات تتسم بعدم الاستقرار.
التحالف الصعب
إن ما يحدد نظرة المجلس إلى جماعة الإخوان المسلمين هما أمران: شعبيتهم وضعفهم من الناحية القانونية، وكان المجلس قد استند إليهم في تشكيل دعم شعبي للاستفتاء في مارس الماضي، وكان قد تلقى دعمهم في أكثر من مناسبة. لكن خوف قادة الجيش من تولي الإسلاميين السلطة قد يقودهم لقمع الإخوان إذا لم تعد هناك فائدة يرجونها منهم. وللقيام بذلك، قد يستهدف المجلس الحزب الجديد للإخوان، أي حزب الحرية والعدالة، حيث يتعين بحسب القوانين الانتخابية على الأحزاب السياسية في مصر أن تثبت أن قاعدتها تمتد إلى ما وراء الانتماءات الدينية.
ولا يخاف قادة الجيش من انقلاب عليهم من قبل الإخوان بقدر ما يخافون من نمو هذا الحزب إلى قوة سياسية على مثال حزب العدالة والتنمية في تركيا، وعندها يمكن لأعضاء الإخوان البالغ عددهم 600 الف عضو أن يشكلوا تهديدا كبيرا لسيطرة الجيش على مقاليد الأمور.
المسابقة الصورية
متسلحا بتحالفاته، لن يسمح المجلس الأعلى للقوات المسلحة بانتقال ديمقراطي كامل في مصر، وحتى إذا انهارت تلك التحالفات، فسيمضي الجيش في التمتع بالقوة الكافية لفرض مواقفه. فكيف بإمكان الليبراليين المصريين والمجتمع الدولي إقناعه بتبني الديمقراطية؟
يبدو أن الولايات المتحدة بالتحديد تمارس مقدارا كبيرا من النفوذ على الجيش المصري، ومصدر قوة واشنطن هو مبلغ 1.3 مليار دولار من المساعدات التي تؤمنها للجيش المصري سنويا، وهو المبلغ الذي يغطي ما يناهز 80% من تكاليف المشتريات. بالإضافة إلى ذلك، وفي سبيل تقوية اقتصاد مصر، قدم البيت الأبيض مليار دولار لتخفيف عبء الديون ومليارين لاستثمارهما في القطاع الخاص. وتساعد أميركا مصر أيضا في الحصول على مساعدات خارجية، حيث اقنع الرئيس الأميركي باراك أوباما مجموعة الثماني بالالتزام بمليارات الدولارات في دعم التنمية المصرية في مايو الماضي، وبإمكان أميركا الضغط على المجلس من خلال التهديد بوقف هذه المساعدات المالية.
لكن قدرة أميركا على الدفع باتجاه الديمقراطية في مصر تبقى محدودة. للبدء قد تتداخل مصالح أميركا الاستراتيجية مع الأمل بالإصلاح. وتعمل أميركا عن كثب مع مصر للحفاظ على الأمن الإقليمي المستند إلى العبور الآمن لقناة السويس وللأجواء المصرية. وضمان هذا التعاون مع مصر يتطلب الحفاظ على العلاقات الجيدة مع المجلس.
وبإمكان أميركا الاستفادة من انهماك المجلس وانشغاله الطاغي بسمعته. ويتعين عليها ان تشيد بالمجلس أمام الملأ عندما يقوم بإجراءات تشجع الإصلاحات الديمقراطية. وكان يتوجب على أميركا دعم قادة الجيش بعد اتخاذهم إجراءات في مارس الماضي تقوي الرقابة القضائية على الانتخابات، وفي يونيو الماضي، عندما أيدوا استقلالية القضاء بدعم قرار المحاكم بحل المجالس البلدية، ومن خلال تأييد مثل هذه الجهود في المستقبل يمكن لأميركا إعطاء قادة الجيش طعم الدعم الذي سيتذوقونه من المجتمع الدولي إذا ما مضوا فعلا في طريق الحرية.
لكن عندما يقف المجلس في وجه الديمقراطية، يتعين على أميركا ان تبدي خيبة املها، أولا عبر القنوات المغلقة ثم إذا احتاج الأمر بشكل علني. والجيش يغامر إذا اعتبر أن مكانته الأسطورية في مصر والمخاوف من عدم الاستقرار ستسمح له بإيجاد نظام سياسي بحسب مشيئته، ويتوجب على أميركا أن تستخدم مخاوف قادة الجيش على صورتهم كقوة لدعم مستقبل ديمقراطي في مصر.
