سيكون التصويت المقبل في الأمم المتحدة بشأن إقامة دولة فلسطينية بمثابة مأساة، ليس لأن الفلسطينيين لا يستحقون أن تكون لهم دولة، ولكن لأنه حتى يأتي ذلك اليوم سيكون قد مضى عام آخر وستكون جميع معالم الطريق إلى السلام سلبية إلى حد كبير. فبعد مرور أكثر من نصف قرن عقب الحرب الكبرى الأولى التي أدت إلى حدوث انقسام بين الإسرائيليين والفلسطينيين، ليس هناك أي أمل واضح على سلام من شأنه أن يمنح الكرامة للفلسطينيين والأمن للإسرائيليين.
موقف المتفرج
مع ذلك فلا يمكن للولايات المتحدة أن تقف موقف المتفرج أو تسمح للحملة السياسية المقبلة أن تعوق تحركاتها والتقييم الرشيد للأمور. وليس هذا هو التوقيت بالنسبة لواشنطن لكي تتورط في السياسة الداخلية الإسرائيلية، أو تدخل في سباق حزبي للحصول على أصوات وتبرعات للحملة الانتخابية من اليهود الأميركيين، الأمر الذي من شأنه أن ينفر العالمين العربي والإسلامي منها، و يهدد المصالح الاستراتيجية للولايات المتحدة.
وبغض النظر عن التصويت في الأمم المتحدة، فإن الولايات المتحدة بحاجة للتحرك قدماً. ففي حال تم التصويت في الجمعية العامة للأمم المتحدة لصالح إقامة دولة فلسطينية، وهو ما يبدو شبه مؤكد، فإن الولايات المتحدة يتعين عليها السعي لجعل ذلك جزءاً من الحل وليس جزءاً من المشكلة. كما يجب على الولايات المتحدة أن تضع التصويت في إطار منظور استراتيجي أوسع نطاقاً وأطول أجلاً. وهناك أربع خطوات يتعين اتخاذها في إطار السعي إلى تحقيق المصالح الاستراتيجية المشتركة للولايات المتحدة وإسرائيل والدول العربية، وليس في إطار التركيز على الخلافات.
أولاً، لا يجب على الولايات المتحدة أن تتخلى عن السلطة الفلسطينية أو أن تقطع عنها المساعدات أو إعاقة تحقيق مكاسب سياسية داخلية حول قضايا حساسة مثل قضية القدس. فلن يؤدي ذلك إلا إلى تعزيز التطرف الفلسطيني. فالولايات المتحدة بحاجة إلى الاستمرار في دعم الرئيس الفلسطيني محمود عباس والفلسطينيين المعتدلين. فالولايات المتحدة بحاجة لإظهار أنها لن تتخلى عن مسعى السلام، وتحتاج لإظهار أنها ستساعد الفلسطينيين على بناء القدرات التي يحتاجونها لاقامة دولة وقوات أمن خاصة بهم.
ثانيا ، ينبغي على الولايات المتحدة دفع الجانبين للتحرك نحو العودة إلى المفاوضات حتى في خضم مشاعر الغضب المتبادلة والتوترات المتزايدة التي تؤثر بالفعل على مناقشات الأمم المتحدة. ربما يكون الرئيس الأميركي باراك أوباما قد أهدر الفرصة لدفع مبادرة السلام الأميركية في السنوات السابقة، ولكن يمكن للإدارة الأميركية بناء على خطابه في الحادي والعشرين من سبتمبر الماضي أن تكون أكثر تحديداً. فيمكن على الأقل محاولة العمل مع الدول الأخرى، بما في ذلك الحلفاء الأوروبيين لدفع الجانبين نحو صياغة مقترحات ملموسة من شأنها المضي قدماً.
ثالثاً، يحتاج أعضاء الإدارة والمسؤولون في الكونغرس إلى العمل على أساس أن أمن إسرائيل يتطلب في نهاية المطاف سلاماً مستقراً، وأن ذلك يواجه تهديداً ليس فقط من جانب الجماعات الفلسطينية المتشددة، ولكن أيضاً بسبب حالة عدم الاستقرار السياسي في دول مجاورة.
وتعد السياسة الداخلية الحالية في إسرائيل جزءاً من المشكلة، بدلاً من أن تكون الحل. غير أن مصالح اسرائيل الحقيقية تكمن في ذلك النوع من السلام الذي سعى إليه اسحق رابين وتسيبي ليفني وشيمون بيريز، وليس في تطرف شخصيات أمثال أفيغدور ليبرمان. يجب أن يقوم تحالف الولايات المتحدة مع إسرائيل على الاعتراف باحتياجاتها الاستراتيجية على المدى الطويل، والدعم الثابت لهذه المصالح، وليس على الانتهازية السياسية الداخلية الأميركية في محاولة لكسب تأييد الحكومة الإسرائيلية الحالية.
توخي الحذر
يجب على الولايات المتحدة أن تتوخى الحذر الشديد من أن تظهر لأصدقائها في العالم العربي أنها ستدعم التغيير والمساعدات في بلدان مثل مصر وتونس ومساعدتها في الحفاظ على أمنها، في الوقت الذي تنسحب من العراق وتواجه تحدياً عسكريا و نووياً متزايداً من قوى إقليمية.
إصغاء أميركي
يمكن للولايات المتحدة أن تظهر أنها تصغي للفلسطينيين والعالم العربي، وأنها لا تؤثر جانباً على حساب الآخر بطريقة تهدد أي أمل حقيقي لقيام دولة فلسطينية، وأنها تدرك احتياجات الدول العربية وتركيا للمساعدة في تحقيق الاستقرار والأمن.
كما يمكن للولايات المتحدة أن تظهر أن التزامها بأمن إسرائيل ومصالحها الاستراتيجية أمر بالغ الأهمية، وليس سباقاً لاستغلال القيادة السياسية الحالية في إسرائيل لتحقيق مكاسب سياسية حزبية في الانتخابات المزمع إجراؤها في عام 2012. وإذا كان الكونغرس يريد كسب تأييد الجماعات اليهودية في أميركا، فهو يعتبر أن هذا هو الوقت المناسب لتقديم التزامات بالمساعدة الأمنية، و الدعم المستمر في الدفاع الصاروخي، والجهود المشتركة للتعامل مع ما يصفه بالتهديدات الحقيقية التي تواجهها إسرائيل من الفرقاء المعنيين والحروب غير النظامية.
