من الواضح أن الزعيم الروسي فلاديمير بوتين سوف يحكم روسيا على امتداد المستقبل المنظور. والسؤال المطروح:أي بوتين؟ هل هو مصلح عام 2001 الذي قال إن المعيار الوحيد الأكثر أهمية لزعيم للبلاد هو كيف يحمي مواطنيه من التعسف والتربح والرشوة؟ أم هو الرجل الذي اتصل هاتفيا بجورج بوش في 11 سبتمبر 2001 قبل أي زعيم عالمي آخر؟

 أم هو متنمر السنوات التي أعقبت ذلك، والذي هدد صحافيا فرنسيا بإجراء عملية طهارة له لأنه وجه إليه سؤلا انتقاديا عن الضحايا المدنيين في الشيشان؟ أم هو صقر 2007 الذي وقف في الميدان الأحمر، ووصف السياسة الخارجية الأميركية بأنها نظيرة لسياسة الرايخ الثالث؟ أم هو السياسي المتصالح عام 2010 الذي انحنى على أرض غابة كاتيين حدادا على عشرين ألف ضابط بولندي ذبحتهم الشرطة السرية السوفييتية في عهد ستالين؟

لقد قام بوتين بسلسلة من التغيرات منذ 1999 عندما اختير بعد حياة عملية أمضاها في ظلال أجهزة المخبارات السوفييتية ليخلف بوريس يلتسين في منصب الرئيس الروسي، وهذه التغييرات تمضي وفق التغيرات التي تعرضت لها روسيا نفسها، والتي ركبت موجة الازدهار النفطي لتصبح حضورا مفعما بالتحدي على الساحة الدولية، والتي دخلت في حالة من الغموض العميق عقب انهيار الأسواق المالية في 2008.

من غير المحتمل أن يتغير بوتين بصورة دراماتيكية في سيره في الطريق الذي حدده الرئيس الروسي ديمتري مدفيديف الذي سعى إلى تحسين مناخ أنشطة الأعمال وطمأنة المستثمرين الأجانب، ولكن بوتين سيجد أن من الصعب تبني الإصلاحات التي تكفل تفويض السلطة بعيدا عن الكرملين، مثل إنشاء نظام قضائي مستقل حسبما يقول مراد غولمان الذي كان ناشطا سياسيا وحليفا لبوتين في صدارة الألفية الثالثة.

ويقول بولمان الذي يمتلك معرضا فنيا: إن هذا الشخص قادر على التغيير، ولكن ذلك ليس أمرا بسيطا، لأنه سيتعين عليه التغلب على ما قام به هو نفسه.

ويضيف غولمان: إن من الصعب أن تقاتل نفسك، ولكن الآن أمامنا بوتين مختلف، ولكنه مع ذلك يظل الرجل نفسه. ونمط الإدارة الذي يتبعه هو نمط رأسي، فتلك هي الطريقة الوحيدة التي يعرفها في الإدارة، ولم يقدر له قط أن يعرف كيف يدير شيئا أكثر تعقيدا، وكيف يأخذ في الاعتبار الآراء المتضاربة.

 

شراكة ترادفية

في مستهل الشركة الترادفية، حول مدفيديف التحديث إلى العلامة السياسية الخاصة به، بينما تحمس بوتين للاستقرار، ولكن هذا الأخير يبدو أنه يعدل رسالته. ففي ظهوره الأول باعتباره المرشح المختار للانتخابات، أمر الهيئات الاتحادية بالانتقال من التوثيق الورقي إلى التوثيق الإلكتروني، وهو أمر لافت للنظر من جانب رجل يقول مساعدوه إنه لا يزال مترددا في استخدام الإنترنت.

ويبدو أن بوتين على استعداد لإلقاء ثقله إلى جانب الاندماج الاقتصادي، على نحو ما يبدو من توقيعه المفاجئ في أغسطس الماضي على صفقة تسمح لشركة إكسون بالتنقيب عن النفط في الجزء الروسي من المحيط المتجمد الشمالي. وهناك مسألة كبرى تتعلق فيما إذا كان بوتين يتسامح مع النزعة التعددية، ذلك أنه خلافا لفترته الأولى في الرئاسة، انتزع السيطرة على محطات البث التلفزيوني التي تنتقد سياساته.

وأطاح بالانتخابات المباشرة لحكام المقاطعة وأعضاء المجلس الأعلى في البرلمان الروسي، وهو سيعود كرئيس إلى بلد مختلف، بلد يمكن للسكان فيه أن يحصلوا على الأخبار عن طريق الإنترنت، ويصل فيه الارتفاع في مستوى المعيشة، الذي حفزه النفط ، إلى النهاية، وتتراجع فيه شعبية حزب روسيا الموحدة.

ويقول أحد الخبراء إن بوتين قد تداعى في الماضي عندما أحس على وجه الدقة أنه معرض للتهديد. ويقول إلكسي موخين مدير مركز المعلومات السياسية، وهو مجموعة أبحاث تتخذ من موسكو مقرا لها: بوتين ليبرالي ، وكل ما في الأمر أنه عندما يصبح الوضع حوله خطرا ومتوترا، فإنه يتحول في التو إلى طاغية، وهذا رد فعل للحماية الذاتية.

وفي حقيقة الأمر أن الإصلاح والنزعة السلطوية مرتبطان أحدهما بالآخر من منظور بوتين. وعلى أية حال فإن عقدا أو عقدين من الزمان في بيئة بيزنطية من نخبة السلطة الروسية يمكن يأن يكون لها تأثيرها على أي شخص، وفي هذا الصدد يقول ألكسندر راهر الذي كتب سيرة حياة عن بوتين إن هذا الأخير: محاط بنوعية بيزنطية من الأتباع والمساعدين، الذين يشيدون به لكي يحصلوا على منافع لأنفسهم، وأنت تحتاج إلى شخصية بالغة القوة لكي تقاوم هذا الواقع، وخاصة في بلد مثل روسيا التي آمل أن يديرها معتمدا على ضميره.