يمكن لشخص واحد في إطار نظام انتخابي عادي أن يصبح رئيسا لبلده، ولكن أي شخص يمكن أن يكون ناخبا، والنظام الانتخابي الروسي هو النقيض من ذلك تماما. فالرئيس يمكن أن يكون أي شخص، ولكن لا يمكن أن يكون هناك إلا ناخب واحد هو رئيس الوزراء الروسي فلاديمير بوتين.
في مؤتمر حزب روسيا الموحدة الذي عقد أخيرا، وضع بوتين نهاية للغموض الذي أحاط بالسباق الرئاسي الروسي، فباستخدام صنيعته الرئيس ديمتري مدفيديف عين بوتين نفسه رئيسا لروسيا، وقال في هذا الصدد: أود أن أعرب عن امتناني لرد الفعل الإيجابي على اقتراح مدفيديف بأن أتقدم لشغل منصب الرئيس الروسي. وبتعبير آخر فإن بوتين قد قال ما يمكن أن يكون معناه حرفيا: إنني لا أكترث على الإطلاق لكم، ولا لانتخاباتكم اللعينة.
وسيظل التحالف بين الرجلين ساريا، وكل ما هنالك هو أن الألعوبة مدفيديف سيصبح رئيسا للوزراء ، ومحركه سيعود إلى رئاسة روسيا.
وضع مزعزع
إن وضع مدفيديف لم يتغير فهو لم يكن رئيس روسيا على نحو حقيقي قط، ولن يكون كذلك. وقد قدم وزير المالية الروسي ألكسي كودرين الذي كان قد علق الآمال على أن يصبح رئيسا للوزراء استقالته، وأكد مجددا أنه يعمل في حكومة يقودها مدفيديف. وبتعبير آخر: لسوف يعينني بوتين رئيسا للبنك المركزي الروسي.
ولأن تقديرات بوتين أكثر ارتفاعا بمعدل الضعف من التقديرات التي يحظى بها حزب روسيا الموحدة، فقد تخلص ببراعة من ذلك الثقل السياسي الكبير بالتخلي عن مسؤولية رئاسة ما يعرف في الشارع الروسي باسم حزب اللصوص والمخادعين، والذي ألقى به على كاهل مدفيديف.
وليس الشيء الأكثر إثارة للدهشة هو هذه المناورة نفسها، ولكن المثير للدهشة حقا هو أنها قد حدثت قبل هذا الوقت الطويل من حلول موعد انتخابات مجلس دوما الدولة المقررة في ديسمبر المقبل. ومن الجلي أن بوتين ما كان يمكن أن يكون أسعد مما هو عليه الآن بالتقسيم الحالي للسلطات.
والذي في إطاره تقع على عاتق مدفيديف كل المهام المضجرة والتي لا تحظى بالشعبية، بينما يتاح لبوتين وقت غير محدود للراحة والاسترخاء في مقاره العديدة الرسمية وغير الرسمية المنتشرة عبر أرجاء روسيا. والعقبة الوحيدة المحتملة لهذا الترتيب تتمثل في مدفيديف نفسه، الذي كان يمكن أن ينزعج حيال معاملته باعتباره رجلا لا قيمة له، ولكن هذا المدفيديف سارع بإظهار استعداده لأن يسير بوتين فوقه.
بينما يكتفي هو، أي مدفيديف بالإذعان ، بل ويبتسم في غضون ذلك. كان يمكن للترتيب الراهن أن يستمر لفترة واحدة وليس فترتين، وكان يمكن بحلول الوقت الذي يمضي فيه مدفيديف فترتين أن يصل عدد كاف من الناس إلى الاعتقاد بأنه الرئيس الحقيقي، وقد يشرع في التصرف بهذه الصفة.
وبالتالي يغتصب سيطرة بوتين الدائمة على السلطة. ومن خلال الحكم بما أصبح معروفا، فإن مدفيديف رغب بشدة في فترة رئاسة ثانية، بحيث ان بوتين قرر إنهاء الفوضى، وأيضا القضاء على أوهام مدفيديف قبل وقت طويل من حلول شهر ديسمبر. وعملية تبادل المناصب هذه لن تكون لها أية عواقب على الإطلاق على علاقات موسكو الخارجية، ويعتقد أن بوتين قد حكم بشكل صائب على شركائه الخارجيين، فهم يتحدثون كثيرا عن حقوق الإنسان وعن الديمقراطية، ولكنه مجرد حديث فحسب.
إن روسيا التي سيرها بوتين في عام 2012، ستختلف اختلافا كبيرا عن روسيا التي قادها عندما جاء إلى سدة الرئاسة لأول مرة عام 2000، فصندوق التقاعد يعاني من عجز قيمته 30 مليار دولار، والميزانية الروسية لم يقدر لها أن تتوازن مع أسعار نفط تقل عن 120 دولارا للبرميل، والأغنياء يخشون على ثرواتهم، والفقراء يخافون على حياتهم.
والمشروع الإستراتيجي الحقيقي الوحيد الذي أعد الكرملين له أي خطط جدية في التنفيذ هو مشروع يحمل اسمبوتين إلى الأبد، وسيغدو واضحا في غضون خمس أو ست سنوات من الآن إذا كانت مثل هذه الخطة يمكن أن تنفذ في بلد ليس فيه أي مشروع استراتيجي آخر.
