في يونيو 1967 قمت برفقة نائب الرئيس الأميركي آنذاك ريتشارد نيكسون بجولة في مستشفى عسكري إسرائيلي مليء بالجرحى من الجنود المصريين. وحدثنا ضابط إسرائيلي بأن هناك في المستشفى ضابطا مصريا كان قد تعرض للأسر على يد الإسرائيليين في القتال بين الجانبين في عام 1956، وأنه قد سأل هذا الضابط قائلا: "

 لقد تقاتلنا ثلاث مرات حتى الآن وفي المرات الثلاث هزمتم، فلماذا تواصلون مقاتلتنا؟" فرد الضابط المصري على الفور: " ربما تكونون قد ألحقتم الهزيمة بنا ثلاث مرات، وربما تهزموننا إحدى عشرة مرة، ولكننا في المرة الثانية عشرة سننتصر".

من تلك الحرب تعلم الإسرائيليون الذين آثروا الاعتصام بالحكمة درسين محددين، أولهما أنه يتعين عليهم أن يكونوا من الحذر والقوة بما يكفي لإيقاع الهزيمة بجيرانهم جميعا. وثانيا إن الصراع الأكثر أهمية الذي يتعين أن يفوزوا فيه هو تقبل الشعوب العربية لبقائهم وسط بحر من العرب.لم يكن الإسرائيليون متنبهين في عام 1973 عندما شن المصريون هجومهم في السادس من أكتوبر.

وهو الهجوم الذي جعل الجيش الإسرائيلي يتداعى على امتداد قناة السويس. وقد بادر الرئيس الأميركي آنذاك ريتشارد نيكسون إلى التدخل عبر إقامة جسر جوي هائل لإنقاذ إسرائيل. وبعد نصف عقد من الزمان اتفق الرئيس المصري آنذاك أنور السادات ورئيس الوزراء الإسرائيلي مناحيم بيغن على تبادل الأرض مقابل السلام في كامب ديفيد، حيث انسحبت إسرائيل من شبه جزيرة سيناء بأسرها مقابل معاهدة سلام مع مصر.

وقد أعقبتها معاهدة سلام مماثلة مع الأردن، وكانت إسرائيل في طريقها لكسب القبول بها في العالم العربي.في عام 1982 ، وبعد أن جرح دبلوماسي إسرائيل بصورة بليغة في لندن خلال هجوم تعرض له، أصدر بيغن أمرا بغزو لبنان، فسارع الجنرال أرييل شارون بالوصول إلى ضواحي بيروت.

وتم إجبار الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات على الخروج إلى تونس، ولكن كما اعترف رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إسحق رابين: " لقد أطلقنا الجني من القمقم، حيث بدأ مقاتلو الجنوب اللبناني بالتصدي للاحتلال الإسرائيلي عبر الميليشيات التي قدر لها أن تعرف باسم حزب الله. ومع استنزاف دماء الإسرائيليين على امتداد 18 عاما، اضطروا إلى الانسحاب من لبنان عام 2000، تاركين حزب الله فارضا سيطرته بقوة.

 

خطورة الاستيطان

ربما كان الأمر الأكثر أهمية أن الإسرائيليين قاموا بعد حرب يونيو 1967 بضم مدينة القدس بكاملها، وشرعوا في نقل المستوطنين إلى القدس الشرقية والضفة الغربية. وفي عام 1987 انطلقت الانتفاضة الأولى، وهي انتفاضة شعبية استخدم الفلسطينيون فيها العصي والحجارة، غير أن حركة الاستيطان الإسرائيلية استمرت، فقفز عدد المستوطنين من بضعة آلاف في السبعينات إلى نصف مليون حاليا.

بعد أن حصلت إسرائيل على السلام عبر الاتفاق مع مصر والأردن، شرعت في إجراء مفاوضات سرية مع الفلسطينيين وفي عام 1994، أطلت اتفاقات اوسلو، وهي في جوهرها اتفاق على تبادل الأرض مقابل السلام، فكان أن استعاد السادات سيناء بمقابل إقرار السلام مع إسرائيل، بينما أوشك الفلسطينيون على الحصول على وطن لهم مقابل الاعتراف بإسرائيل. وهكذا تحررت إسرائيل من العزلة، ولقيت القبول من مصر والأردن، بل ومنظمة التحرير في ظل رئاسة ياسر عرفات.

في عام 1995 تعرض رئيس الوزراء الإسرائيلي اسحق رابين الذي كان قد فاز بجائزة نوبل للسلام عن دوره في اتفاقات أوسلو، وعن اعتقاده بضرورة تبادل الأرض مقابل السلام- تعرض للاغتيال على يد إسرائيلي متطرف كان قد عقد العزم على الحيلولة دون إعادة الضفة الغربية للفلسطينيين.

وعندما تسلم أرييل شارون مقاليد السلطة انسحب من قطاع غزة، ولكنه رفض إعادة القدس أو الضفة الغربية للفلسطينيين. وأدرك خلفه إيهود أولمرت، شأن رابين وإيهود باراك، أن إسرائيل يتعين عليها أن تبادل الضفة الغربية مقابل السلام ، وإلا فإنها لن تعرف له طريقا. ولكن أولمرت فشل في التفاوض حول السلام.

وإذا ألقينا نظرة إلى الوراء فإننا سنجد أن إسرائيل قد انتصرت على نحو ما في كل حروبها منذ حرب 1948، إلى حملة سيناء، مرورا بحرب يونيو 1967، وصولا إلى غزو لبنان في 1982، ومن ثم الانتفاضة الأولى والثانية وحرب لبنان في 2006، وحرب غزة في 2008. ولكن إسرائيل اليوم أكثر عزلة من أي وقت مضى، ويبدو احتمال تخلصها من هذه العزلة بعيدا.

يرجع ذلك إل أن حماس تحكم غزة، وحزب الله يحكم لبنان، وقد تحولت تركيا إلى عدو، ويئست السلطة الفلسطينية من الرئيس الأميركي باراك أوباما وأطلقت حملة دبلوماسية من أجل اعتراف الأمم المتحدة بالدولة الفلسطينية. وشريك إسرائيل في مصر الرئيس المصري السابق حسني مبارك لم يعد له وجود. وتعرضت السفارة الإسرائيلية في القاهرة للاقتحام، وسعت الجموع الحاشدة للقيام بالأمر نفسه حيال السفارة الإسرائيلية في عمان.

 

مسلسل التراجع

لقد أقنع المحافظون الجدد الرئيس الأميركي السابق جورج بوش بأن من شأن غزو العراق جعل قطع دومينو الأنظمة الدكتاتورية العربية تتهاوى، وأن يطلقوا في المنطقة مرحلة جديدة تستند إلى الأنظمة الديمقراطية المؤيدة للغرب. لكن الأمر لم يسر على ذلك النحو تماما في الربيع العربي الذي أعقب الغزو الأميركي للعراق، فعقب نحو عقد من الزمن أدى ذلك إلى سقوط الطغاة، ولكنه أطلق أيضا القوى المعادية لأميركا والصهيونية من عقالها.

إن الراعي الكبير لإسرائيل وهو الولايات المتحدة يتراجع من المنطقة الآن، حيث ستعود القوات الأميركية المرابطة في العراق إلى بلادها في نهاية العام الجاري، كما أن حلفاءها الدكتاتوريين في مصر وتونس لم يعد لهم وجود، والباب مفتوح على دول أخرى.