أخيرا انطلقت الجهود الدبلوماسية الفلسطينية في الأمم المتحدة، وأطلق الرئيس الفلسطيني محمود عباس بصفة رسمية عملية السعي نحو الاعتراف بالدولة الفلسطينية من خلال خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة.
والطلب الذي تقدم به إلى الأمين العام للمنظمة الدولية.
وهو بقيامه بذلك أظهر حسما مدهشا في مواجهة حشد من الضغوط الإسرائيلية والأميركية والأوروبية لإجباره على التراجع عن موقفه. وهذا التصميم سيضمن استمرارية لقيادة كان الكثير من الفلسطينيين الذين صدموا بالكشف عن مضمون الوثائق الفلسطينية في المفاوضات مع إسرائيل- يعتبرونها مذعنة للجانب الإسرائيلي، ويرون أنها لا تمثلهم، بل وأنها غير شرعية.
ولم تؤد التهديدات الإسرائيلية والأميركية ومناورات اللحظة الأخيرة من جانب اللجنة الرباعية ألا إلى إعطاء المزيد من المصداقية للموقف الفلسطيني.
ولا شك في أن الاعتراف بفلسطين كدولة كاملة العضوية في الأمم المتحدة من شأنه أن يوفر مزايا ، فوضعية الدولة ستغير الضفة الغربية وغزة والقدس الشرقية من أراض محتلة إلى دولة محتلة، الأمر الذي يمكن عندئذ أن يقتضي مساعدة دولية لإنهاء الاحتلال,. وحدود إسرائيل سيتم تحديدها للمرة الأولى منذ هدنة 1949، وربما يتم إيقاف توسعها.
وضعية الدولة
غير أنه في ضوء الموقف الأميركي المعروف للجميع ، فإن ما يتطلع إليه الفلسطينيون قد لا يحدث بالضرورة ، وسيصل الأمر إلى رفع الوضعية الفلسطينية إلى وضعية الدولة المراقب غير العضو في المنظمة الدولية شأن الفاتيكان، وهذا سيتيح للفلسطينيين عضوية العديد من المنظمات التابعة للأمم المتحدة.
ويمكن أن يتيح لهم رفع قضايا ضد إسرائيل في المحكمة الدولية، ويبدو أن الرأي العام يحبذ هذا إلى حد كبير، فقد تبين من استطلاع أجرته هيئة الإذاعة البريطانية أخيرا، وجود أغلبية من المؤيدين للفلسطينيين في الغالبية العظمى من 19 دولة، وأظهر استطلاع أخير كذلك أغلبية مؤيدة للدولة الفلسطينية في ألمانيا وفرنسا وبريطانيا ، وذلك على الرغم من انقسام الحكومات الأوروبية، مع المعارضة النشطة من جانب ألمانيا.
وعدم توصل بريطانيا إلى قرار نهائي. ولا شك في ان جانبا كبيرا من هذا التأييد ينبع من الرغبة الأصيلة في أن يحصل الفلسطينيون على حريتهم، ولكن مثل هذه المشاعر تتجاهل حقائق التاريخ والجغرافيا وما تقتضيه العدالة للفلسطينيين.على الصعيد التاريخي فإن المبادرة الراهنة بأن الدولة الفلسطينية تعد تكرارا لما حدث في ديسمبر 1988عندما اعترفت الجمعية العامة للأمم المتحدة بإعلان دولة فلسطين بأغلبية تزيد على 100 صوت.
وقد حصلت فلسطين على الاعتراف بحكم الأمر الواقع في العديد من المحافل الدولية، وحصلت على وضعية المراقب، وأصبح مندوب منظمة التحرير الفلسطينية شبه سفير في الدول الغربية، ولكن هذه المزايا الدبلوماسية لم توقف ولو بمقدار بوصة واحدة من تربص إسرائيل بالأراضي الفلسطينية. ولا يحتمل أن تؤدي إلى ذلك الآن، مع سيطرة إسرائيل على ما يزيد على 60% من الضفة الغربية والقدس، وما من دولة فلسطينية قابلة للحياة تعد شيئا ممكنا، بينما التوسع الاستيطاني ينطلق بلا كابح.
نظام جديد
والموقف الفلسطيني من الدولة ليس موحدا، فحكومة حماس في قطاع غزة تعارضه، والفلسطينيون العاديون الذي لم يكترث أحد باستشارتهم ليسوا واثقين مما يجري، وهم منقسمون حياله. إن الثورة العربية التي تكتسح المنطقة كان ينبغي أن تكون درسا موضوعيا للفلسطينيين ، فالثوار العرب الجدد لم يناضلوا من أجل الحصول على حقوق محدودة.
وإنما طالبوا بنظام جديد كلية، وبدلا من انتهاز هذه الفرصة فإن القيادة الفلسطينية قد مضت إلى ترتيبات سياسية في الحد الأدنى تتضمن إضفاء الشرعية على احتلال إسرائيلي عام 1948 لحوالي 80% من فلسطين الأصلية، بما في ذلك المستوطنات غير الشرعية التي أقيمت بعد عام 1967.
وذلك تحت غطاء حيلة "تبادل الأراضي".إن الحملة التي شنت واستقطاب تأييد العالم لهذا الترتيب البائس كان ينبغي خوضها بدلا من ذلك من أجل الحقوق الفلسطينية الأساسية، ولو أن وضعية الدولة المحدودة كانت مرحلة مؤقتة في ظل الإستراتيجية طويلة الأمد للحصول عل تلك الحقوق لكان يمكن أن تكون مقبولة ، أما في الوضعية الراهنة فإن الخطر هو أن التأييد الدولي لاقتراح الدولة الراهن سوف يجعله المعيار لكل المفاوضات المقبلة حول السلام، وسوف يدعم الفكرة القائلة إن تقسيم فلسطين بصورة غير متساوية يعني العدالة، وأصدقاء الفلسطينيين ينبغي أن يعارضوا هذا التطبيق، وأن يدعموا النضال من أجل العدالة الحقيقية.
