أجرت مجلة «دير شبيغل» الألمانية حواراً مع المستشار الألماني الأسبق غيرهارد شرويدر، دعا فيه أوروبا إلى الاستيقاظ ومعالجة أزمة اليورو وتبني فكرته المتعلقة بالولايات المتحدة الأوروبية، ورد على المزاعم التي تفيد أن حكومته ساهمت في التمهيد للمحن التي يتعرض لها اليورو، في الوقت الراهن.
وفي ما يلي نص الحوار:
هل وضع اليورو الآن ينذر بخطر قاتل؟
لا، وإلقاء نظرة على اليورو من حيث علاقته بالدولار يشير إلى أن قيمته كانت عند حدود 82 سنتاً في الماضي والآن أصبحت 1.4 دولار . فاليورو ليس في خطر، وما هو مفقود حاليا هو التصور السياسي، وتوضح الأزمة الحالية أنه لا يمكن تبني عملة مشتركة من دون تبني سياسة اجتماعية واقتصادية ومالية مشتركة.
يوجه المصرف المركزي الأوروبي تهما ضد إدارتك لتخفيضها معايير معاهدة ماستريخت، أي ميثاق الاستقرار والنمو.
يتعين النظر إلى هذا الموضوع في إطاره الصحيح، ذلك أن الإصلاحات عززت عنصر النمو في الميثاق، وكانت في صميمها أعباء تكلفة إعادة توحيد ألمانيا. فالاقتصاد الألماني كان يمر بحالة ركود.
وكنا عازمين على تطبيق الإصلاحات الهيكلية أي تعديل أنظمة الضمان الاجتماعي لتلائم الأوضاع الجديدة. بالتالي كانت هناك حاجة للخروج من حالة الركود ببرنامج تحفيز اقتصادي. وفي هذه الأوضاع، وبسبب الإصلاحات الداخلية، فقد فرض علينا التشديد على عنصر النمو في الميثاق، وكان ناجحا في النهاية، وشكل سببا إضافياً لخروجنا من الأزمة الحالية بنجاح أفضل من غيرنا.
لكن أوروبا تحتاج إلى القوة والسرعة للخروج من الأزمة، فهل تعتقد أنها قادرة على التحلي بهاتين الصفتين؟
قامت كل من ألمانيا وفرنسا بإطلاق إشارة قوية لخطة المضي بحكومة اقتصادية أوروبية، وما يقابل ذلك من سلطات تتمثل بوزير مالية أوروبي. وهذا يشكل المنهاج السليم والشرط المسبق لإيجاد الأداة المناسبة، أي سندات أوروبية.
توصف المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل بانها مترددة.
لا، لكن إحراز تقدم في أوروبا المكونة من 27 دولة عمل شاق.
ما الذي يدعونا للاعتقاد أن الاتفاقات لن يجري التخلي عنها؟
يعود ضعف معاهدة ماستريخت لافتقارها للسيطرة السياسية، وتقوم ألمانيا وفرنسا الآن باتخاذ خطوات لتصحيح هذا الوضع، لكن الاستنتاج المنطقي يفيد أنه يتعين على الدول التخلي عن بعض من سيادتها الوطنية.
هل تضع ثقتك بالبرلمان الأوروبي للقيام بهذه المهمة؟
نعم، بالطبع هناك حاجة إلى هذا النوع من آلية حكم برلمانية، ويتعين على المفوضية أن تتحول إلى حكومة تخضع لشروط برلمانية من قبل البرلمان الأوروبي. وهذا قد يترجم إلى ولايات متحدة لأوروبا.
لكن هذا يناقض معاهدة لشبونة.
هذه المعاهدات كانت تناسب أوضاعا تاريخية محددة، وعندما تتغير هذه الأوضاع، فإنه ينبغي إجراء تعديلات عليها. كان الهدف الأصلي منها إيجاد اتحاد سياسي مع المؤسسات الأوروبية، وقد رفضت في الاستفتاءات. ومن المهم القول إن هذا لم يكن خطأ ألمانيا، والآن بعد ان اشتدت الأزمة بات من الضروري الاستفادة من هذه الفرصة لإيجاد اتحاد سياسي فعلي في أوروبا. وانا مقتنع بأن هذا الأمر يحظى بتأييد الأغلبية في الدول الأعضاء.
ما الذي حولك إلى أوروبي بعد توليك منصب المستشار؟
لقد وصفت اليورو ذات مرة بأنه طفل مريض ولد قبل أوانه، لاني شعرت بالحاجة إلى إيجاد اتحاد سياسي. وعندما كنت في منصب المستشار اتضح لي أن اليورو قد أوجد أوضاعا جديدة إذا ما انتهت فستكون لها تبعات اقتصادية وسياسية كارثية . كان يفضل بالتأكيد إجراء تحقيق تكامل أعمق من البداية، لكن هذا الأمر لم يكن ممكنا من الناحية التاريخية.
لماذا لم يكن ممكنا القول: يجب أن تنتظروا قليلا، ينبغي أولا الوصول إلى الاستقرار قبل الشروع في إضافة بلدان جديدة؟
كان هذا سيشكل موقفا ضعيفا لا يمكن إقناع الدول به لاسيما الدول الشرقية، التي عانت لخمسة عقود من الانفصال عن أوروبا، وبالتحديد بولندا. والآن، لا يمكن أن نقول للصرب: انتظروا قليلا، خصوصا وأن المشكلات الحقيقية لا تأتي من الأعضاء الجدد.
إذا من أين مصدرها؟
بريطانيا تسبب المشكلة الأكبر، فبريطانيا ليست عضوا في اليورو، ومع ذلك فإن البريطانيين يريدون دوما الإدلاء برأيهم في تصميم المنطقة الاقتصادية، والى جانب ذلك، كان البريطانيون مشككين في كل خطوة اندماج أو تكامل أوروبي. فبريطانيا ما زالت تنظر إلى نفسها في اطار موقع وسطي بين أميركا من جهة وأوروبا من جهة أخرى، وهذا غير مقبول.
وعليه، فإن قرار تشكيل الحكومة الاقتصادية يفترض اتخاذه من قبل أعضاء منطقة اليورو، وليس من قبل المجلس الأوروبي ككل.
لكن البولنديين وغيرهم لن يؤيدوا هذا القرار.
البولنديون وغيرهم سيفهمون الوضع، وستكون لهم كلمة حالما يصبحون أعضاء في منطقة اليورو.
إذن في النهاية ستكون لدينا أوروبا موحدة تسير بوتيرتين.
لكن هذا هو الواقع الذي نعيشه منذ فترة طويلة مع منطقة اليورو. ويتعين ان نمضي قدماً بفكرة نواة أوروبا.
وإذا لم نفعل ذلك، فان أوروبا ودولها ستغوص في وضع هامشي بين آسيا تحت زعامة الصين من جهة، وأميركا التي تستعيد نشاطها وقوتها.
وأوروبا كما أتخيلها هي أكثر اندماجا وتكاملا، بعضوية تركيا من جهة وشراكة روسيا من جهة أخرى، وهذه فرصة العمر التي تسمح لأوروبا بالعمل بشكل متكافئ وعلى قدم المساواة مع آسيا وأميركا، فقد بات على أوروبا أن تنهض من كبوتها.
آليات برلمانية
تحدث المستشار الألماني الأسبق جيرهارد شرويدر عن وجوب احتفاظ المفوضية الأوروبية، أو وزير مالية أوروبي، بحق المبادرة بتخلي الدول الأوروبية عن بعض من سيادتها الوطنية ، لكنه يوضح أن آليات الرقابة والمحاسبة لا بد ان تكون ذا طابع ديمقراطي، فالبرلمانات الوطنية لن تقبل بخسارة سيادتها على قضايا تخص الميزانية، من دون تطبيق آليات برلمانية في مواقع أخرى. والقرارات التي تتوصل إليها البرلمانات الوطنية يجب ان تصل إلى البرلمان الأوروبي باعتباره السلطة النهائية.
والنهج الذي يمكن اعتماده هو أن يقوم البرلمان بتشكيل لجنة خاصة مؤلفة من أعضاء في منطقة اليورو تتولى مهمة الرقابة والمحاسبة، ونقل مثل هذه الحقوق البرلمانية إلى لجنة من الاختصاصيين تحيط به المخاطر الفعلية، لأنه سيجري ربطه بالحد من الديمقراطية.
