عندما يكتب تاريخ صعود أوروبا الغربية ما بعد الحرب العالمية الثانية وسقوطها في المستقبل، ستملأ ثلاثة مجلدات، بالعناوين التالية الحقائق الثابتة والأوهام المريحة والمجلد الذي لا يزال يكتب إلى يومنا هذا، تحت عنوان الخداع.
وكانت الحقيقة الثابتة التي أسست عليها أوروبا ما بعد الحرب العالمية تستند إلى مبدأ الضرورة العسكرية، كما لخصها الجنرال الإنجليزي لورد إيسماي، في تعبيره الشهير حين تحدث عن مهمة ناتو قائلا إنها: كانت لإبقاء الروس خارجا، والأميركيين في الداخل، والألمان في الأسفل. والحقيقة الثابتة التالية كانت العملة الصعبة، للمستشار الألماني الأسبق لودفيغ غيرهارد، صاحب الإصلاحات الاقتصادية التي أوجدت المارك الألماني، وألغت الرقابة على الأسعار، ووضعت التضخم تحت السيطرة. أما الحقيقة الثابتة الثالثة، فكانت اختراع السوق المشتركة من قبل الاقتصادي الفرنسي جان مونيه، معطيا أوروبا هوية اقتصادية مشتركة غير سياسية.
ونتيجة لذلك، كانت هناك المعجزة الاقتصادية في ألمانيا وفترة الازدهار الاقتصادي في فرنسا التي دامت ثلاثين عاما على امتداد الفترة 1945-1975، والمعجزة الاقتصادية في إيطاليا، وكان يمكن لهذه الفترة أن تدوم إلى يومنا هذا، لكن لم يقدر لها ذلك.
في عام 1965، بلغ الإنفاق الحكومي إلى الناتج المحلي الإجمالي نسبة 28% في أوروبا الغربية، واليوم فإنه يناهز نسبة 50%، كذلك، كان معدل الخصوبة 2.5 طفل لكل امرأة في ألمانيا عام 1965، أما اليوم فإنه وصل إلى مستوى كارثي عند 1.35، وخلال سنوات ما بعد الحرب، بلغ معدل النمو السنوي للناتج المحلي الإجمالي في أوروبا 5.5%، لكنه بعد عام 1973 بالكاد زاد عن 2.3%. وفي عام 1973، كان الأوروبيون يعملون 102 ساعة مقابل 100 ساعة يمضيها الأميركيون في العمل، وبحلول 2004، باتوا يعملون 82 ساعة فقط مقابل 100 ساعة للأميركيين.
وبالتحديد في تلك الفترة من التباطؤ العام دخلت أوروبا حقبة الأوهام المريحة.
كان هناك وهم قوامه أنه إذا جرت إضافة الناتج المحلي الإجمالي لمجمل الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي الساعي إلى التوسع، فإنه سيصبح لدى أوروبا اقتصاد حجمه يزيد عن حجم اقتصاد الولايات المتحدة. أفلا يجعل هذا أوروبا قوة عظمى اقتصادية؟ وكان هناك وهم آخر مفاده أن أوروبا لا تحتاج قدرات عسكرية قوية، في الوقت الذي يمكنها فرض نفوذ دولي عبر الدبلوماسية والقوة الناعمة، وكان هناك الوهم المريح أيضا قوامه أن الأوروبيين يتشاركون القيم نفسها، وبالتالي يمكن إخضاعهم لأنظمة موحدة، وأن دول القارة الأوروبية لا تعاني من تراجع في الإنتاجية، بل تجري خيارا تنويريا يقضي باختيار الراحة بدلا من العمل.
وكان هناك أخيرا الوهم المضخم القائل ان أوروبا لديها نموذجها المتميز والمتفوق على النموذج الأميركي، الذي يحصنها ضد التيارات الدولية الأوسع مثل العولمة والديمغرافيا والتيارات الدينية.
وكل هذا قد يجترح العجائب، لفترة، لإخفاء الفشل الأوروبي ولطمس الغطرسة الأوروبية. لكن هناك خطرا ماثلا يميل إلى إحلال العظمة محل الإنجاز، والخلط بين التصريحات والحقائق، وبشكل أعم الإيمان بما تقوله أوروبا من هراء.
وهنا انتقلت أوروبا من الأوهام المريحة إلى الخداع الصريح.
كان هناك خداع عند دخول اليونان إلى اليورو، كذبت أثينا بشأن أرقام الميزانية واختارت بروكسل أن تصدق الكذبة.
وكان هناك خداع في ما يخص معايير ما يسمى معاهدة ماستريخت، حيث استهزأت فرنسا وألمانيا بالقواعد المالية التي كان من المفترض ان يخضع لها اليورو، وكان هناك خداع في الدستور الأوروبي الذي رفض بأغلبية ساحقة خلال التصويت، ليعاد النظر فيه وليفرض بأمر برلماني.
وسيلي ذلك انفجار المشروع الأوروبي بتكاليف هائلة. فاضطرابات أثينا ستمتد إلى أوروبا، والأحزاب الهامشية ستكسب نفوذا أكبر، وستعود مناطق التفتيش على الحدود، وسيعاد أحياء العملات المحلية التي ستخفض قيمتها، إنها مسيرة طويلة من الأشياء المرعبة.
فأين هي أوروبا التي تحدث عنها ايسماي وإرهارد ومونيه؟ إنها ستصبح ذكرى.
الصدمة الأوروبية
ما يحدث في أوروبا ليس أزمة بقدر ما هي فضيحة على الطريقة المادوفية، والصدمة تكمن في كونها كانت صدمة، والحال أنه لم تكن هناك نية أصلاً لإنقاذ اليونان التي ستتخلف عن سداد الدين، عاجلا أم آجلا. أما المصارف التي تحتفظ بدين اليونان، فستعاد رسملتها وسيتحمل أعباء ذلك دافعو الضرائب الألمان الذين سينفذ صبرهم عاجلا. ولن يهرع الصينيون للمساعدة، وستتحول إيطاليا إلى يونان جديدة، وسوف ترتطم موجة الأزمة الأوروبية بالأميركية وتشكلان معا تسونامي على الضفتين.
أميركا ستنجو لأنها دولة، لكن أوروبا كما ذكر بسمارك: من يتكلم باسم أوروبا فهو مخطئ، فأوروبا تعبير جغرافي. والوحدة المالية لن تمر أبدا، لأن الألمان لن يؤيدوها ولن تؤيدها أي دولة أخرى تريد ان تحافظ على استقلالها المالي، لب السيادة الديمقراطية.
