أجرت صحيفة «إندبندنت» اللندنية لقاء مع الرئيس الأفغاني حامد قرضاي، الذي وصفته بأنه أحد أكثر رؤساء العالم شعورا بالوحدة، وذلك في قصره الرئاسي في أفغانستان، حيث أكد فيها التقاعد من منصبه بعد انتهاء ولايته في عام 2014، ليعود مواطنا عاديا حيث أعرب عن حبه للحياة البسيطة والعيش في الهواء الطلق. ونسب الأوضاع المتدهورة في أفغانستان إلى الأخطاء التي ارتكبها الغرب لناحية الفساد وسوء استخدام القوة، مؤكدا رغبته في إقامة علاقات طويلة الأمد مع الدول الغربية وعدم ممانعته إبقاء قواتها، داعيا إياها إلى تغيير سلوكها الراهن واحترام الدستور الأفغاني.

وفي ما يلي نص المقابلة:

يعيش الرئيس الأفغاني حامد قرضاي حياته في حالة خطر دائم، فقد نجا إلى الآن من أربع محاولات اغتيال، وقد قتل أخوه غير الشقيق، أحمد والي قرضاي، منذ مدة وجيزة، أما والده، فقد اغتيل في عام 1999. وعندما يغامر بالخروج من مكتبه القائم في القصر الرئاسي في كابول، فإنه يرافقه سبعة حراس ببدلات سوداء، يشكلون فرقة واحدة من مجموع 800 جندي تم تدريبهم من قبل وكالة المخابرات الأميركية لحماية الرئيس الأفغاني وأعوانه.

 واللقاء مع قرضاي تجربة مزعجة وتتطلب ممن يقوم به خوض عمليات تحقيق وتفتيش عديدة، فالرجل يتعين عليه أن يحيا في حالة من الخوف الدائم من عملية تفجير أو شهر سلاح على يد أحد مساعديه، كما حصل مع أخيه أحمد والي، الذي أصابه رئيس جهاز أمنه الخاص برصاصة في رأسه فأرداه قتيلا. وقد وافق الرئيس قرضاي على إجراء المقابلة بمناسبة انقضاء 10 أعوام على أحداث سبتمبر التي أدت إلى التدخل العسكري الأميركي البريطاني في البلاد في 7 أكتوبر، وما تلا ذلك من مقتل زعماء طالبان أو هروبهم من البلاد، إلى أن أصبح للبلاد رئيس جديد من قبائل الباشتون مقيم في الغرب، وهو قرضاي نفسه.

في بداية السنة الحالية، أكد قرضاي أن الفترة التي قضاها في السلطة وصلت إلى نهايتها. وأنه ينوي التقاعد في 2014 مع نهاية ولايته الثانية كرئيس كما يقتضي الدستور الأفغاني، وهو العام الذي يصادف انسحاب القوات التي تقودها الولايات المتحدة من دورها على الجبهة.

وقال في مستهل الحوار معه: «كانت النظرة إلى الأميركيين مفادها أنهم أتوا ليحرروا البلاد، ولقد تم الترحيب بهم في القرى وانتفض السكان ضد طالبان، والأخطاء اللاحقة هي التي جعلت الأمور تتدهور إلى الأسوأ». فماذا كانت هذه الأخطاء؟ يتحدث قرضاي عن « المال والدماء»، المال ليدل على الفساد، والدماء ليشير إلى الإصابات بين المدنيين والمتأتية عن سوء استخدام القوة من قبل القوات الغربية.

وهو لا يتملق أحداً في كلامه، ملقيا اللوم على الغرب في تفشي الفساد والأعمال الإجرامية إلى هذا المستوى الخيالي، ويقول: «العقود والعقود التي تنضح بالفساد والعقود من الباطن والعقود التي لا علاقة للحكومة الأفغانية بها لا من قريب ولا من بعيد، وملايين الدولارات التي تذهب إلى المجرمين، ومن يمنح عقودا بمئات الملايين من الدولارات من دون أي مساءلة من قبل المسؤولين الحكوميين.. في الواقع يشجع الفساد». ويذكر أنه ناقش هذه القضية مرات عدة مع القوات الغربية، التي نفضت يدها من هذا الموضوع متأخرة جدا، حيث يقول:» الآن اقروا بأنني كنت على حق».

وهو لا ينكر ان جانباً من الخطأ يكمن في مكان آخر، لكنه يشدد على أن « الفساد الكبير» سببه النفوذ الأجنبي، حيث يهز برأسه موافقا، وهو يقول: «صحيح أن الفساد في الحكومة الأفغانية وفي دوائرنا السياسية موجود أيضا، لكنه من النوع البسيط، فالرشاوى شيء، أما الفساد في العقود التي تصل إلى مئات الملايين من الدولارات، فشيء آخر».وكان قرضاي مرتديا قميصا أبيض وبدلة ذات سترة سوداء خلال المقابلة. وبدا ساحرا وأنيقا، أما لغته الإنجليزية فلا تشوبها شائبة، وكان قد تعلمها عندما كان طالبا في الهند.

وكانت الانتقادات انهالت عليه بعد انتهاء التصويت في الانتخابات الرئاسية الأخيرة، لا سيما بعد قيام مؤسسة الرقابة على الانتخابات المدعومة من الأمم المتحدة برفض ثلث الأصوات المؤيدة له باعتبارها مزورة. وردا على ذلك، يشدد قرضاي على أن القوى الغربية هي التي مارست التزوير الانتخابي لإضعافه، وليس هو. ويرفض أحد الدبلوماسيين هذا الكلام ويردد المزاعم بان قرضاي قام بحشو صناديق الاقتراع بالأصوات المؤيدة له. أما قرضاي فيقول إنه لم يكن بحاجة إلى اللجوء للتزوير، لأنه يكاد يكون متيقنا من أنه كان سيفوز في الجولة الثانية من الانتخابات ضد عبدالله عبدالله وزير خارجيته السابق.

وكان هذا الدبلوماسي نفسه قد ادعى أن القوى الغربية كانت تتشاور حول الطريقة الفضلى للتخلص من الرئيس قرضاي بمعزل عن نتائج الانتخابات، وأشار إلى تدخل شبيه لتقصير ولاية إبراهيم الجعفري في منصب رئاسة الوزراء في العراق، خلال الفترة 2005 2006، مضيفا إن الخطأ الذي ارتكبه الغرب مع قرضاي، كان التحدث في العلن عن خلعه بدلا من القيام بذلك فعلا. ويرد قرضاي على هذا الكلام، قائلا: «شعرت بالصدمة، فلطالما اعتقدت انهم يحترمون الديمقراطية».

وهذه الحالة من عدم الثقة بحلفائه تظهر أيضا في علاقته بمقتل أخيه: فهو يلوم الغرب للشائعات التي تحدثت عن تورط أحمد والي في تجارة الهيرويين الأفغانية، ويقول: «كان الهدف تشديد الضغط عليّ أنا، وبعض الغربيين أراد القضاء على خشخاش الأفيون برش الحقول الأفغانية بمواد كانت سوف تعرض خصوبة التربة للضرر على المدى البعيد وتسمم مياه الشرب، ولقد عارضت هذا الأمر بشدة. فانتشرت قصص عن أن أخي له علاقة بتجارة المخدرات.

فاتصلت بالدبلوماسيين الأميركيين والبريطانيين وطلبت منهم إثباتا على ذلك، وكانوا يرددون إنه ليس لديهم إثبات. كان الرئيس الأفغاني في مكتبه عندما سمع بمقتل أخيه احمد والي، ويقول:» كنت جالسا حيث أنا الآن اتحدت مع أحد المستشارين، عندما جاءني الخبر، لم أتزحزح من الكرسي، ولم أغادر مكتبي. وفي ذلك اليوم، كان من المفترض أن أقابل الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي في غداء عمل. فطلبت عدم إلغاء الموعد، وقلت: «سأستقبله ثم نتوجه لحضور جنازة أخي».

يضيف:» فعلت ذلك لأنه يوميا تقريبا تصلني أخبار القتل والاغتيالات والتفجيرات التي تسبب خسارة إخوة أو عائلات للشعب الأفغاني، وبالتالي شكل ذلك اليوم بالنسبة لي حادثة تضاف إلى حوادث كثيرة يتعرض فيها أحد الأفغانيين لخسارة أحد أحبائه». وهذه الصلابة الخارجية تخونها المشاعر التي تظهر على وجه قرضاي، تلك النظرة التي كانت بادية على وجهه خلال جنازة أحمد والي، عندما دخل القبر لإلقاء النظرة الأخيرة. والآن، مع بدء الأصيل، وفيما الظلال تغطي مساحة القصر ويبزغ بدر كامل من فوق الأبراج، وتمتلئ الأجواء بذكرى الذين عاشوا في هذا القصر، وبالمصير المروع لعدد منهم، فهل يتراءى لقرضاي أشباح الرؤساء السابقين؟

يجيب على هذا السؤال بالنفي، ففي رأيه أن تلك كانت أوقاتا مختلفة. ثم يغير الموضوع محولا الحديث عن أوروبا التي كان يستمتع بزيارتها قبل استلامه منصب الرئاسة. ثم يقول: « أنا رجل أود العيش في الهواء الطلق واحب الحياة البسيطة، وانتظر بفارغ الصبر انتهاء ولايتي لأعود مواطنا في بلادي. وأنا أملك بيتا في كابول وأرغب في أن يكمل ابني تعليمه في أفغانستان»، ويضيف: « إنني لا اشعر بالسعادة في هذا القصر». هل ستتحسن الأوضاع في هذه البلاد؟

هل ستتمكن أفغانستان من تحقيق ديمقراطية ليبرالية مسالمة كالتي يسعى إليها الغرب؟ يقول قرضاي في معرض الرد: «نعم لكن فقط إذا أبدت تلك البلدان احتراما تجاه ديننا وتقاليدنا ووضعت في اعتبارها واقع مجتمعنا». ويضيف: «نريد المزيد من التعاون في أفغانستان ونريد جعل الشراكة بين الشعب الأفغاني وتلك القوى الدولية بحيث يقوم كل منا بعمله، فنحن لا نمانع وجودهم، لكننا نريد تغيرا في سلوكهم».

وهو يبدو متعاطفا مع القوات البريطانية في مقاطعة هلمند، حيث يقول: «حسنت القوات البريطانية من أدائها بعد النكسات الأولى، وتتمتع هذه القوات بوعي ثقافي أفضل لحاجات أفغانستان» مضيفاً إن: «أمير ويلز صديق جيد جيدا لأفغانستان وهو يساعد في إحياء الثقافة الأفغانية». لكن قرضاي لم يعد يتوجه للغرب فقط للبحث عن دعم، ويقول في هذا الشأن: «العلاقات الجيدة مع الجيران، خصوصا مع باكستان، يمكن أن تساهم بشكل كبير في استقرار أفغانستان. ويمكن أن تبذل باكستان المزيد من الجهود، كذلك الصين والهند».

هل يعتقد أنه كان يفترض بالقوات الغربية أن تغادر في وقت أبكر مما تنوي أن تفعل؟ يجيب قرضاي على هذا السؤال قائلاً: « قد يوافق الشعب الأفغاني على وجود الجيوش الغربية في أفغانستان، وقد لا تعنيه فعلا أعداد الجنود الباقية، فما يريده الشعب الأفغاني هو تغيير في سلوك هؤلاء الجنود، لا يريدونهم الطرق على أبوابهم في الليل أو الدخول عنوة إلى منازلهم، أو اعتقال مواطنيهم». يقول: «يشكل الافتقار للاحترام مشكلة، فالشعب الأفغاني يريد من القوات الغربية أن تحترم القوانين الأفغانية».

وهل يعتقد بعد مرور 10 سنوات من القتل والدمار أن الغرب فعلا يريد هزيمة طالبان؟ يفكر قليلا ثم يجيب :» آمل ذلك»، ربما يكون هذا الجواب الأكثر تعبيرا عما يدور في خلده بين مجمل إجاباته.

قرضاي ملام لتقصيره أمام الانتكاسات

 

بعد تسمية قرضاي رئيسا للحكومة الانتقالية عقب هزيمة طالبان ، بدا موقعه قويا، كان موضع ثقة أميركا بعد سنوات قضاها في التودد إليها لمساعدته ضد طالبان، وكان مدعوما ليس فقط من أبناء قبائل الباشتون الذين ينتمي اليهم، بل أيضا من المجموعات العرقية الأخرى في أفغانستان. ولكن الأوضاع بدأت في التغير بعد ولايتين رئاسيتين، كان هناك فيض في الاغتيالات، طالت شخصيات بارزة بمن في ذلك أخوه غير الشقيق أحمد والي وأحد أكثر المقربين إليه، جان محمد خان، وبدت الأوضاع الأمنية في حالة متدهورة.

حيث أفادت إحصاءات الأمم المتحدة أن أعداد القتلى بين المدنيين ارتفعت بنسبة 15% في الشهر الستة الأولى من سنة 2011. وأخيرا، قامت طالبان بالهجوم على مقر السفارة الأميركية القريب من القصر الرئاسي، ودامت المعارك 20 ساعة، تعرضت خلالها السفارة الأميركية لإطلاق قذيفة صاروخية.

وألقي اللوم على قرضاي لعدم التحرك بحزم لمنع مثل هذه الانتكاسات. وقد أظهرت وثائق ويكليكس برقيات دبلوماسية تعود لعام 2009 موجهة من السفير الأميركي لدى كابول، كارل ايكنبري، يصف فيها قرضاي بأنه «فاسد» و»فاقد الأهلية» « ولا يشكل «شريكا استراتيجيا مناسبا لأميركا». والاجتماعات بين المسؤولين الأميركيين والرئيس الأفغاني أصبحت اليوم لا تتعدى مرة في الشهر، وهذه الصورة تظهر بعيدة كل البعد عن الفترة التي كان يمكن فيها للسفير الأميركي أن يلتقي به ثلاث مرات أو أربع في الأسبوع.

 

دليل التدخل

 

ويؤكد قرضاي انه إذا كانت القوى الغربية ترغب فعلا بالسلام، فإنه يتعين عليها أن تتوقف عن التدخل بالشؤون الأفغانية. ويستذكر كدليل على هذا التدخل، الخطأ الذي ارتكبه أندرو ميتشل وزير التنمية الدولية البريطاني بكشف مستند حكومي سري عن طريق الخطأ للصحافة يفيد بأن الحكومة البريطانية عليها ان «ترحب» بنهاية رئاسة قرضاي.

حيث يقول: «إذا كانوا يريدون من يمثل مصالحهم هنا، فإن ما قاموا به بعيد عن الصواب». ويضيف: «هل نحن سعداء مع الغرب؟ نعم لقد منحنا أشياء كثيرة. هل نرغب بعلاقة طويلة الأمد معه؟ نعم، لكننا نعتقد أنه ينبغي على الغرب احترام الدستور الأفغاني وعدم إقحام نفسه في الحياة اليومية للأفغان».