أصبح الخروج بمنظور حول تأثير أحداث الحادي عشر من سبتمبر على السياسة الخارجية للولايات المتحدة، ممكنا الآن بعد مرور عشر سنوات على تلك الهجمات الإرهابية.
وقد كان هناك ولا يزال اتجاه طبيعي إلى القول إنها غيرت كل شيء، لكن بعد مرور عقد من الزمن، تبدو مثل هذه الاستنتاجات في غير محلها. فأحداث ذاك اليوم أدت إلى تحويل تركيز إدارة الرئيس الأميركي السابق جورج بوش وسياسته الخارجية، لكن النهج الجديد لهذه الإدارة، الذي تلقى كثيراً من الثناء والنقد.
لم يحدث تغييرا بالقدر الذي ظن معاصرو تلك الإدارة أنها أحدثته. وهناك تبدلات كثيرة كانت تتفق مع الاتجاهات بعيدة المدى للسياسة الخارجية الأميركية، والبعض منها استمر في عهد إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما في ما بعد. وقد آن الأوان لوضع تلك المرحلة في إطارها الصحيح ودراستها بشكل سليم قدر الإمكان.
بعد الهجمات
قبل الحادي عشر من سبتمبر، كانت إدارة بوش قد ركزت سياستها الخارجية على الصين وروسيا، وعلى تحديد ما إذا كانت التسوية السلمية في الشرق الأوسط ماضية إلى النهاية، كما ركزت على بناء نظام دفاع صاروخي باليستي، وعلى التأمل في كيفية التعامل مع الدول « المارقة» مثل العراق وليبيا وكوريا الشمالية. وفي اجتماعات عدة لمجلس الأمن القومي الأميركي، نوقشت العقوبات المفروضة على العراق لكن لم يجر الاتفاق على شيء يذكر.
لم يأخذ كبار المسؤولين بعين الاعتبار الإرهاب أو التشدد كأولوية قصوى، وذهب الرئيس الأميركي إلى مزرعته في عطلة طويلة، ولم يكن أسامة بن لادن شغله الشاغل.
وفجأة حلت الكارثة. فاطلقت الإدارة الأميركية «حربا دولية على الإرهاب». واختارت التركيز ليس على القاعدة فحسب، وإنما أيضا على التهديد الإرهابي الدولي عموما. واستهدفت ليس فقط جهات فاعلة غير حكومية وإنما أيضا الأنظمة التي شكلت ملجأ لهذه الجهات وملاذا لها، وفي سبيل انتزاع معلومات مخابراتية، لجأت للاعتقال والترحيل، وفي بعض الحالات للتعذيب.
وأعلنت الإدارة أنها تتبنى سياسة دفاع عن النفس استباقية، كانت في الأساس حرباً وقائية. وأعلن بوش عن عزمه اتخاذ إجراءات لمنع التهديدات وشيكة الحدوث والتي تتجمع في الأفق، وأنه سيمضي بمفرده إذا تطلب الأمر. وهذا النهج أدى في نهاية المطاف إلى اندلاع الحرب ليس في أفغانستان فقط، بل أيضا في العراق. وشددت الإدارة أيضا على الديمقراطية بعد فشلها في إيجاد أسلحة الدمار الشامل في العراق.
وحدث تسارع في بناء القوة العسكرية الأميركية والقدرات الاستخباراتية، فارتفع الإنفاق على الدفاع بشكل حاد، وكثرت مبادرات مكافحة التمرد، وتم بناء قواعد جديدة في آسيا، وتأسيس قيادة عسكرية جديدة في أفريقيا، وأصبحت الحرب على الإرهاب الشغل الشاغل للسياسة الأمنية لإدارة بوش.
وإلى جانب ذلك، اعتنقت الإدارة مبدأ الأسواق الحرة وتحرير التجارة والتنمية الاقتصادية. وزادت إعاناتها الخارجية بشكل كبير، حيث وصلت المساعدات الاقتصادية إلى حوالي 34 مليار دولار في 2008 في مقابل 13 مليار دولار عام 2000. وفاوضت على صفقة لتخفيض الرؤوس الحربية الاستراتيجية مع روسيا، وأعادت صياغة علاقاتها مع الهند ولطفت الأجواء مع الصين ومضت في محاولاتها لمنع انتشار أسلحة الدمار الشامل.
ومعظم هذه السياسات كانت مفصلة في استراتيجية الأمن القومي للإدارة عام 2002، وهي وثيقة لم تكتب في البنتاغون من قبل محافظين جدد، بل في مكتب مستشارة الأمن القومي كوندوليزا رايس.
باختصار، دفعت أحداث الحادي عشر من سبتمبر إدارة بوش إلى تحويل تركيزها. فالخوف أوحى بالتحرك تماما كما فعل الإحساس بالقوة الأميركية والفخر بالمؤسسات والقيم الوطنية، والشعور بالمسؤولية تجاه حماية الناس والشعور بالذنب بسبب الهجمات التي ضربت البلاد.
وهذه الصياغة الجديدة لسياسة أميركا بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، أدت إلى وقف حالة الشلل التي سادت في الشهور التسعة الأولى من عهد الإدارة. قبل الحادي عشر من سبتمبر، كان تفوق أميركا وأمنها أمرين مفروغا منهما، لكن بعد الهجمات، بات على واشنطن التأكد من إمكانية حماية أراضيها والدفاع عن حلفائها والإشراف على اقتصاد دولي مفتوح وبناء مؤسساتها.
التفوق الأميركي
شعر بوش ومستشاروه بضرورة المحافظة على تفوق أميركا، والمسارعة إلى إحباط أي هجمات جديدة على أميركا ومواطنيها. وقد واجهوا صعوبات في حبك عناصر سياستهم في اطار سياسة متماسكة يمكنها التعامل مع التحديات التي كانوا يعتبرونها اكثر إلحاحا.
ويبدو واضحا الآن أن عدداً من تلك المبادرات المتعلقة بالسياسة الخارجية مضافاً إليها التخفيضات الضريبية وعدم الاستعداد لطلب تضحيات في الداخل، قد أدت إلى تقويض الأهداف عينها التي كانوا مصممين على تحقيقها.
وفي النهاية، ألحق ذلك أضراراً بالتفوق الأميركي، وذلك بسبب الفشل في احتلال أفغانستان والعراق بفاعلية، وحالة العداء ضد أميركا التي ساهمت هذه المشاريع الخاطئة في مفاقمتها، حيث أظهرت استطلاعات الرأي عبر العالم الإسلامي أن التحركات الأميركية في العراق ودعم أميركا لإسرائيل شكلا مزيجا ضاراً، ومع تحول التحرير إلى احتلال، فإن أميركا وقوتها اكتسبتا صيتاً سيئاً.
ولقد دمرت الكلفة غير المتوقعة للحروب طويلة الأمد التفوق الأميركي، حيث باتت تقدر حاليا بحوالي 1.3 تريليون دولار. وازداد الدين الفيدرالي إلى الناتج المحلي الإجمالي، من نسبة 32.5% في 2001 إلى 53.5% في 2009.
خيارات وتحديات مؤلمة
ولا شك في أن المسؤولين الأميركيين واجهوا تحديات وخيارات مؤلمة. وسجلهم السياسي تضمن إنجازات مهمة، في أعقاب أجواء الرعب والخطر الحقيقي، لاسيما بملاحقة تنظيم القاعدة وغيرها من المنظمات الإرهابية، وربما ساهموا في تجنيب البلاد هجمات أخرى، كما نجحوا في جعل ليبيا تتخلى عن برنامجها النووي، وأقاموا علاقة قوية مع الهند.
وأبقوا العلاقات مع الصين وروسيا ما دون الانفجار، ونشطوا المعونات الخارجية، ورفعوا شعار الديمقراطية والإصلاح السياسي اللذين تردد صداهما عبر الشرق الأوسط وساهما في الانتفاضة الحالية.
غير أن هذه النجاحات لم تستطع أن توازي فشل الإدارة في تحقيق العديد من الأهداف الأكثر أهمية. لكن النقاد يخطئون في القول إن السياسات التي فشلت كانت جديدة بشكل جذري، حيث كانت لها جذور عميقة في التاريخ.
منظور تاريخي
التحركات الاستباقية والوقائية لم تكن من اختراع إدارة بوش، بل لها تاريخ طويل في سجل السياسة الخارجية الأميركية. منذ قرن تقريبا، وضع الرئيس الأميركي الأسبق، ثيودور روزفلت، مبدأ مونرو كسياسة تدخل وقائي في الأميركيتين، وفي الستينات، أفاد الرئيس الأميركي الأسبق جون كيندي أنه لا يستطيع السماح بنشر أسلحة هجومية سوفياتية على بعد 90 ميلا من شواطئ أميركا،.
وفرض بشكل أحادي حصاراً حول كوبا كاد أن يتسبب بحرب نووية. وفي رده على تهديد إرهابي في منتصف التسعينات، وقع الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون على سياسة أمنية يعلن فيها أن «أميركا سوف تمضي بقوة في جهودها لردع واستباق واعتقال ومحاكمة أشخاص ارتكبوا أو يخططون لارتكاب مثل هذه الهجمات».
كان رؤساء أميركا المذكورون أعلاه قد وافقوا على استراتيجية الأمن القومي لبوش عام 2002، والتي كانت تشير في ردها على أي هجوم وشيك، إلى أن: «التاريخ سوف يحكم بقسوة على الذين يرون هذا الخطر الداهم ويفشلون في التحرك».
ولم يكن بوش ومستشاروه بمفردهم في السعي إلى تغيير الأنظمة في الخارج في أعقاب الحادي عشر من سبتمبر. فبعد أسبوعين من خطاب الرئيس الأميركي حول «محور الشر» في يناير 2002، صرح نائب الرئيس الأسبق آل غور: «أنه حتى لو أعطيت أميركا الأولوية لتدمير الشبكات الإرهابية، وحتى لو نجحت، فلا زالت هناك حكومات يمكنها أن تسبب كثيراً من الضرر» مشيرا إلى العراق وداعيا إلى تصفية الحساب معه. كذلك فعل جو بايدن، نائب الرئيس الأميركي، بقوله:
«على صدام ان يرحل، والأرجح ان الأمر يتطلب قوة أميركية ..». وحتى كلينتون نفسه شرح لماذا يدعم قرار خلفه في غزو العراق، حين قال: «لم اعتقد حقا انه سوف يستخدمها، وما كان يقلقني اكثر هو ما إذا كان سوف يبيع هذه المواد أو يمنحها لآخرين».
ويجادل كثيرون بأن السياسة الأميركية بعد الحادي عشر من سبتمبر امتازت بأحاديتها. لكن غريزة التحرك باستقلالية وقيادة العالم، أمر ثابت في تاريخ الدبلوماسية الأميركية الطويل، ويعود إلى الرئيسين الأميركيين الأسبقين جورج واشنطن وتوماس جيفرسون. وخلال الحرب الباردة، احتفظ كبار المسؤولين الأميركيين بالحق في التحرك أحادي الجانب حتى وهم يعملون على تقوية التحالفات. واستراتيجية كلينتون للأمن القومي الأخيرة والاستراتيجية الأولى لأوباما فعلت الأمر نفسه.
وليس هناك شك في أن مستشاري بوش وبإيحاء من الخوف والغطرسة وبنوع من الإحساس بالمسؤولية والذنب، كانوا ميالين بقوة للتحرك بشكل أحادي أكثر مما كان الديمقراطيون الذين سبقوهم أو جاءوا بعدهم. لكنهم في الوقت نفسه، كانت لديهم رغبة في تقوية التحالفات، وهو الهدف الذي مضوا فيه بعد 2005.
ويبرز ارتباط بوش بشكل أوثق بمن أتى قبله وبعده، من خلال تبنيه سياسة الباب المفتوح والتجارة الحرة العالمية. واستراتيجيته للأمن القومي عام 2002، التي اشتهرت بالتخلص من سياسة الاحتواء والردع وباعتناق مبدأ الدفاع الاستباقية، أيضا تتضمن أقساما طويلة حول تشجيع النمو الاقتصادي الدولي، وتقوية الأسواق الحرة، وانفتاح المجتمعات، وبناء الديمقراطية.
وهذه السياسات الأميركية، هي تراث قديم يعود إلى «ملاحظات الباب المفتوح» لوزير الخارجية الأسبق جون هاي، والنقاط الأربع عشرة للرئيس ويلسون وميثاق الأطلسي لروزفلت، وشكلت عنصرا رئيسيا في تصريحات اكثر حداثة لكلينتون وأوباما.
جوهر المأساة
إن الأهمية بعيدة المدى لأحداث الحادي عشر من سبتمبر بالنسبة للسياسة الخارجية الأميركية بالتالي يجب أن لا تعطى أكثر من تستحق، فالهجمات في ذلك اليوم كانت مأساة فظيعة، لكنها لم تغير العالم أو تحول مسار الاستراتيجية العليا للولايات المتحدة، وسعي أميركا للتفوق ورغبتها في قيادة العالم وتفضيلها لسياسة الباب المفتوح والأسواق الحرة، وقلقها بخصوص التفوق العسكري واستعدادها للتصرف بشكل أحادي عندما تدعو الحاجة، ودمجها الانتقائي للمصالح والقيم، والإحساس بانه لا غنى عنها، كل هذه بقيت وتبقى من دون أي تغيير.
