قال نائب الرئيس الأميركي السابق ديك تشيني في مقابلة على محطة «أن بي سي» التلفزيونية، إن كتابه الجديد «في زمني» سوف «يفجر رؤوساً في واشنطن»، وبغض النظر عما يعتقده القراء بشأن سياسات ديك تشيني، فإن رؤوسهم على الأرجح ستنفجر من الإحباط عوضاً من أي شعور بالاستلهام، ذلك ان مذكراته الشخصية المكتوبة بأسلوب جاف تغلب عليه الفظاظة، جاءت كما هو متوقع كمزيج من المماطلة والتسويف وتصفية الحسابات، عدا عن كونها ذكريات تم انتقاؤها بدقة.
ويردد الكتاب نهج تشيني العدواني في السياسة الخارجية، ووجهة نظره المتشددة حول الأمن القومي، وفي الوقت نفسه، يتهرب من طرح القضايا حول كثير من قرارات إدارة بوش الأكثر إثارة للجدل، وذلك إما باختيار المعلومات التي تناسبه أو يرغب بإظهارها.
وهي الطريقة نفسها التي يقول النقاد إن البيت الأبيض اعتمدها في اختيار المعلومات الاستخبارية للإعداد لقضية شن الحرب على العراق، وإما من خلال القفز على القضايا بإطلاق أحكام أكيدة. ومن السخرية ان تشيني، الذي نجح في نشر أفكاره من خلال تملكه للتفاصيل البيروقراطية، قد خرج بكتاب يفتقر إلى التفاصيل في الغالب ويتصف بعدم الوضوح.
إنجازات بوش المزعومة
ويكتب تشيني ان «تحرير العراق» كان «أهم إنجازات رئاسة جورج بوش»، ويصف معتقل غوانتنامو بأنه «مرفق نموذجي آمن وإنساني»، ويشير إلى أن برنامج وكالة المخابرات المركزية بخصوص «تقنيات التحقيق المحسنة» كان «آمناً وقانونياً وفعالاً». وفي ما يخص الإعصار كاترينا، يشيد تشيني بالرئيس الأميركي لتكريسه «شخصياً» ساعات طوال ليس فقط لتأمين استجابة فيدرالية فعالة للإعصار، وإنما أيضاً للوصول إلى الناس.
وفي مسائل السياسة الخارجية، يميل الكتاب إلى إعادة تكرار سجالات معروفة، في الوقت الذي يراوغ في القضايا المهمة. ولا يشرح موقفه في عام 1994 بخصوص العراق، حين قال إن الولايات المتحدة كانت محقة في عدم الذهاب إلى بغداد خلال حرب الخليج الأولى، لأن هذا الأمر كان سينجم عنه وقوعها في فخ «المستنقع»، على الرغم من أنه لم يجد أي عوائق تقف في وجه هذا الأمر في عام 2003.
وفي الوقت الذي يشير تشيني إلى تطور آرائه بخصوص مكانة السلطة التنفيذية وأهميتها من خلال فضيحة «إيران- كونترا»، فإنه لا يلقي الضوء إلا لماماً على كيفية قيامه بالمضي قدماً في تحقيق هذا المبدأ بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر. ومن بين الأمور القليلة المفيدة التي يطرحها الكتاب دوره كأحد مفبركي الخيارات السياسية لـ«المقرر»، لا سيما في ما يتعلق بالموجز اليومي «المعلوماتي»، والذي «يحوي تقارير حول أكثر قضايا الاستخبارات حساسية، كل يوم بيومه».
ويذكر تشيني انه كان يحصل على هذا الإيجاز اليومي في العادة صباحاً نحو الساعة السادسة والنصف، قبل أن يلتحق بالرئيس الأميركي الذي تجري إحاطته به لاحقاً مضافة إليه مواد أخرى كان يحصل عليها الرئيس، وكان تشيني يحصل على مواد أخرى إضافية بما في ذلك إجابات على أسئلة كان يطلبها أو بنود كان يعلم مقدمو الإيجاز اليومي «المعلوماتي» اهتمامه بها. وفي مناسبة واحدة على الأقل، يقول تشيني إنه طلب من مقدمي الإيجاز اليومي إضافة بعض من هذه المواد إلى ما يعرض على الرئيس.
وفي السنوات الأخيرة من إدارة بوش، فإن قوة أقوى نائب رئيس في التاريخ تعرضت للضعف، وتراجعت شعبيته إلى 13%. فتراجع عن مسرح الأحداث ليمثل صوتاً أكثر اعتدالاً في الإدارة، مثل وزيرة الخارجية الأميركية في ذلك الوقت كوندوليزا رايس، التي يصورها تشيني على صفحات كتابه على أنها ساذجة، ولا تتمتع بخبرة تؤهلها للوصول إلى اتفاقية بشأن الأسلحة النووية مع كوريا الشمالية.
وفي الواقع، فإن المقاطع اللاذعة في الكتاب تعكس إحباط تشيني عندما لم تتجه الأمور كما يحلو له. وعلى الرغم من انه في معظم الأحوال، يجامل الرئيس بوش، ويوجه التحية له «كقائد بالفطرة في غاية الصراحة كان يشجعنا بقناعاته»، فهو يتحدث بلهجة استعلاء حول القضايا التي فشل فيها بوش في الأخذ بنصيحته حيال قصف موقع مفاعل سوريا النووي، أو لوقوفه إلى جانب رايس في القضايا المتعلقة بكوريا الشمالية، ويلاحظ ان بوش لم يستشره بخصوص تسمية روبرت غيتس ليحل محل وزير الدفاع السابق دونالد رامسفيلد، الذي كان قد وصفه للرئيس «بأنه يقوم بعمل هائل».
ويستمر تشيني في نفيه الصارم لسوء إدارة البنتاغون لحرب العراق، نافياً علمه بإصرار رامسفيلد على شنها بأقل التكاليف بقوة محدودة وسريعة، وممانعته في تصحيح المسار في ما بعد.
ويلقي اللوم على وزارة الخارجية لافتقارها لخطط ما بعد الحرب، على الرغم من انه من الشائع ان مخططات وزارة الخراجية بشأن مستقبل العراق تم تهميشها من قبل البنتاغون، ويصر على اعتقاده بأن المسلحين العراقيين كانوا «يلفظون أنفاسهم الأخيرة» في 2005، على الرغم من كثرة التحذيرات من أن الأمور كانت تخرج عن السيطرة.
ويظهر تشيني نفوراً تجاه الناس الذي يعارضونه حيال السياسات. فوزير الخارجية الأميركي السابق، الكولونيل باول الذي اصطدم مع تشيني بخصوص العراق يجري التقليل من شأنه في الكتاب، حيث يعتبر تشيني ان قبول الرئيس بوش استقالته كوزير للخارجية في 2004 كان للأفضل.
وينتقد تشيني كولن باول لعدم اعتراضه على سياسات الإدارة في الاجتماعات، وانتقاده سياسة الإدارة أمام أشخاص خارج الحكومة. كما أن شهادته بشأن وزير الخزانة بول اونيل، الذي عارض التخفيضات الضريبية الكبيرة التي كان يؤيدها، تتصف أيضاً بالفظاظة. ولا يناقش تشيني مخاوف أونيل بأن تؤدي هذه التخفيضات الضريبية إلى عجز خطير. ويقول: «الاجتماعات التي تخرج منها القرارات الكبيرة لم تتضمن في الغالب وزير الخزانة. وكان يفترض بأونيل، كما فعل هانك بولسون في ما بعد، أن يدعى إلى اجتماعات البيت الأبيض الخاصة بالسياسات الاقتصادية».
