من الغريب أن تشتعل بريطانيا، فأخبار الكوارث الاقتصادية في الآونة الأخيرة أتت من نيويورك وبروكسل وبرلين، بما في ذلك تخفيض التصنيف الائتماني لدين الولايات المتحدة من قبل ستاندرد أند بورز.

وأزمة اليورو المشتعلة في القارة الأوروبية، وما تبعهما من اضطراب في الأسواق، وهذا كله لم يحدث في شوارع شمال لندن، لكن التمعن في مجرى الأحداث يعطي لما حدث معنى، فبريطانيا مثل الولايات المتحدة كانت مركزاً لمراكمة الثروات الكبيرة وأيضاً لتفاوت في الثروات، كان يزداد اتساعاً خلال السنوات العشرين الأخيرة.

الآن تشارك بريطانيا باقي دول أوروبا في المعاناة نفسها، أي تخفيض كبير في الميزانية يجثم بثقله على السكان المهمشين أساساً. وهكذا، في الوقت الذي تقلص الدول برامج الشباب ودعم التعليم وبدلات الإسكان، في سعيها للخروج من دين سيادي ساحق، يبدو واضحاً لماذا يبادر السكان الأكثر فقراً في بلدان أوروبا والأكثر تفاوتاً على الصعيد الاقتصادي في اطار الاتحاد الأوروبي بالنزول إلى الشارع.

والأمر الوحيد المفاجئ هو عدم حصول هذه التظاهرات من قبل، فمنذ بداية الأزمة المالية والانحدار الاقتصادي الذي أعقبها، يتعثر النظام العالمي بشكل عميق.

والأخبار الاقتصادية الأخيرة جعلت هذه الحقائق عصية على التجاهل، فالغرب، وتحديداً أوروبا، يعاني من مشكلة عويصة. وما يحصل ليس عثرة وتمضي بعد فترة وجيزة، بل هي أزمة النظام القديم، وهذا تعبير كان قد استخدمه المؤرخ آرثر شليزنجر لوصف فشل الرأسمالية في عشرينات القرن الماضي.

والأزمة لا تهز الأسواق والوظائف وتوقعات النمو الاقتصادي فحسب، وإنما مجمل طريقة التفكير حول الأسس التي يقوم عليها العالم، بما في ذلك الافتراض أن الفرص هي أكثر وفرة للأجيال المقبلة في الغرب.

وبمقدار ما تبدو الأمور سيئة في الولايات المتحدة، فإن مركز الأزمة هو أوروبا. فأسواق القارة المتقلبة وتظاهرات الغضب من أثينا إلى مدريد تشكل تجسيداً حياً لاندفاع السياسيين الأوروبيين اليائس لاحتواء أزمة دين منطقة اليورو، وهي الأزمة التي تهدد بتفكيك الوحدة النقدية وضرب استقرار المنطقة.

وكان يفترض أن يجلب الاتحاد الأوروبي معه الاستقرار الاقتصادي، وأن يزيل العوائق أمام النمو، مثل التعرفات الجمركية والأنظمة الإدارية، لكنه بدلاً من ذلك، أصبح اتحاداً أنانياً، يغذي فشل اقتصادات دوله المشاعر القومية القلقة من الهجرة وعدم الثقة بين الدول الغنية والبلدان الأقل وفرة داخله.

 

مشكلة للجميع

وعلى الرغم من ان الأزمة تبدو مشكلة أوروبية، إلا أن صداها قد يتردد من بكين إلى بوسطن إذا ما أسفرت عن تفكك منطقة اليورو، أو حتى عن سلسلة عمليات انقاد مكلفة، فأوروبا هي أكبر شريك تجاري لكل من أميركا والصين، وهي موطن لأكبر تجمع عالمي من المستهلكين الأثرياء. فإذا ما توقف هؤلاء عن الاستهلاك، فإن الجميع سيعاني.

وفي الوقت نفسه، سوف يضعف تخفيض كبير في قيمة اليورو الدول التي لديها احتياطي باليورو. ويحذر الاقتصادي الأميركي جيم أونيل من شركة غولدمان ساكس من أن تؤدي الجهود لاحتواء الأزمة بسياسة نقدية متهاونة إلى زيادة مخاطر التضخم والأموال المضاربة.

والمخاوف وصلت الآن إلى حدودها القصوى. فتكاليف الاستدانة للاقتصادات الأضعف في أوروبا، مثل اليونان وإيرلندا والبرتغال وإسبانيا وإيطاليا، قد زادت بشكل فظيع، كما مضت إجراءات الاستقرار الفاترة بالمستثمرين إلى الاحتراس خوفا من أن تكون الدول الأغنى، مثل ألمانيا، غير ملتزمة بالاتحاد النقدي، لهذا ازداد هامش العائد على السندات في حين انخفضت الأسهم الأوروبية بسرعة، أما المصرف المركزي الأوروبي فإنه يحاول جاهداً تهدئة الأسواق من خلال شراء ديون الدول الأضعف.

وكان وراء انفجار الأزمة، أخيراً، النمو البطيء في أميركا، حيث تشير الأرقام إلى نمو اقتصادي نسبته 1.3% خلال الربع الثاني من هذه السنة، ونمو ضعيف جدا في الربع الأول نسبته 0.4%. وبنسب نمو ضعيفة كتلك، فإن الأميركيين عاجزون عن إنقاد اقتصادهم، الذي يعاني من بطالة نسبتها 9%، فكيف يمكنهم إنقاذ العالم؟

أنها مرحلة مختلفة عن الفترة الاستثنائية التاريخية للنمو العالمي 1991 إلى 2008، والتي بزغت خلالها أحلام الاندماج الأوروبي. وكان محور ذاك العصر الذي يتسم بالتفاؤل الولايات المتحدة، طبعاً، التي ساهمت في إعادة بناء أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية، وأسقطت منافسها الأيديولوجي، الاتحاد السوفييتي، كما شكل الدولار وديون الحكومة الأميركية خلال هذا العصر الاستثمارات الأكبر والأكثر سيولة وأماناً في العالم، وفي تلك البيئة التفاؤلية كان اليورو يكسب قوته.

وغني عن البيان، أن الصورة العالمية قد تغيرت الآن، لكن على الرغم من تصنيف «ستاندرد اند بورز» الأخير، لم يكن هناك تخلص سريع من سندات الخزانة الأميركية، ويمكن القول إن الأمر يعود إلى سوء الأوضاع في أوروبا والعالم، والصين المستثمر الأكبر في هذه السندات، أصدرت تحذيراً حازماً إلى الولايات المتحدة «لشفاء نفسها من إدمان الدين».

لكنها لم تحول الدولارات إلى اليورو الذي يشكل البديل الوحيد مقابل الدولار كعملة احتياط، وفي حين يتجه المستثمرون إلى الذهب، فإن سوق الذهب العالمي ليس كافياً لأي تنويع جدي لاحتياطات الدولار، من دون إحداث تضخم كبير في أسعار الذهب، التي وصلت إلى مستويات قياسية أصلاً.

ومن غير الواضح، في هذه المرحلة، ما إذا كان اليورو سيصمد حيال أزمة الدين التي تحيط بأوروبا، وهذه الأزمة أسوأ من تلك التي تمر بها الولايات المتحدة. وعلى السطح، لا تبدو الصورة قاتمة جدا، فمعدل العجز في منطقة اليورو هو بحدود 6% من الناتج المحلي الإجمالي مقارنة بنسبة 10.6% لأميركا.

ومعدل الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي لأوروبا لا يرتفع بسرعة كبيرة كما في أميركا. لكن الفارق بينهما هو ان أميركا لديها الوقت ومعدلات إقراض أفضل لصالحها. كذلك، فإن بإمكانها حل مشكلاتها المالية، إذا استطاعت تجاوز الخلافات بين الحزبين، أما الاتحاد الأوروبي وبسبب افتقاره للتكامل السياسي، فإنه يجعل من المستحيل الوصول إلى لب أزمة اليورو.

فمنطقة اليورو هي أساساً اتحاد أناني. يريد الأوروبيون ان ينتفعوا اقتصادياً، وأن يتجنبوا حروباً مدمرة. وبخلاف ذلك، هناك اختلاف بينهم في ما يتعلق بأجندتهم السياسية والثقافية والاجتماعية.

وعند كل مرحلة في تطور أوروبا الحديث كانت هناك دوما صعوبة في جعل الدول تتفق على تكامل سياسي أعمق، أخذا بعين الاعتبار الواقع غير المتجانس لأوروبا، وكان المصوتون قد رفضوا في عام 2005 دستوراً أوروبياً يتطلب من الدول الأطراف التنازل عن سلطاتها إلى الاتحاد الأوروبي.

 

نادي القمار

والنتيجة كانت اتحاداً نقدياً يمكن مقارنته أحياناً بنادي قمار. فوجود مصرف أوروبي مركزي يعني بالنسبة لدول مثل اليونان وبلجيكا وإيرلندا حرية الاستدانة بأكثر مما يمكنها تحمله، والحال انه لا توجد سيطرة سياسية مركزية أو حتى مساءلة لهذه الدول، وهذا يعني ان دولا تتمتع بالحكمة، مثل ألمانيا، ليست لديها وسيلة لوقف الدول الأضعف من تقويض قابلية استمرار العملة المشتركة.

وبالطبع، لا أحد يقول لألمانيا إنها ينبغي أن لا تترك مصارفها المملوكة للدولة تعتمد على أصول غير مرغوب فيها بمعدل 50 إلى 1. وتقريباً كل دول منطقة اليورو، لسخرية القدر، قد استهانت بالقانون الاقتصادي، الذي يدعو نظرياً إلى عجز سنوي بحدود 3% ومعدلات دين إلى الناتج المحلي الإجمالي نسبته 60%. يقول جان آرثيوس، رئيس اللجنة المالية في المجلس الأعلى للبرلمان الفرنسي:

«نحن وضعنا اتفاقية استقرار على شكل مجموعة من القواعد الخاصة باليورو، لكنها تحولت إلى اتفاقية جمع من الكذابين والغشاشين».

وكان المشككون الأوائل بمنطقة اليورو يعتقدون دوماً أن الدول الضعيفة سوف تغش في موضوع العجز، لكن الأمر الآن بات يطال قارة بأكملها، وعملة مشتركة، تعاني من تصدع وبحاجة ربما لضخ تريليونات من الرساميل لمنع انهيار اليورو.

 

كيفية إنقاذ أوروبا

هناك طريقة للخروج من الأزمة. فألمانيا وهي إحدى أقوى الاقتصادات وأكثرها قدرة على السداد بإمكانها أن تنقذ الوضع بقيادتها جهود ضمان كل الديون الإسبانية والإيطالية بما في ذلك ديون البنوك الأوروبية الرئيسية. وأمر كهذا بإمكانه تهدئة الأسواق، لكنه سيكون باهظ التكلفة ومثيرا للجدل السياسي.

فلماذا يتعين على الألمان إنقاذ مجموعة من المسرفين؟ وهذا الأمر من الصعب تمريره سياسيا، كما تبين من استطلاع للرأي جرى أخيراً، حيث تبين أن 71% من الألمان لديهم ثقة محدودة باليورو مقابل 46% عام 2008.

والحقيقة هي ان الألمان هم في هذه المعمعة أصلاً، فإذا ما تدهور اليورو، فستكون هناك، كما يقول الخبراء، حالة من «الفوضى المالية التامة». فإقراض مرتفع التكلفة سيسبب لعدد من الدول الأوروبية انخفاضاً في النمو، والدول المدينة بقوة سوف تدخل في حالة من الركود أو حتى الكساد، ولن تترك ألمانيا سالمة، فنحو 40% من صادرات ألمانيا هي مع أوروبا.