يرقد جندي أفغاني في الوحل وهو أقرب إلى عدم الرغبة في الوقوف منه إلى عدم القدرة عليه، كان قد غاص في الوحل اللزج حتى عظم الساق، تماما كما فعل نصف مشاة البحرية الأميركية الذين كانوا بصحبته، وذلك بعد خروجهم من قاعدتهم بالقرب من "غارمسر" في ولاية هلمند. كان مشاة البحرية الأميركية قد قطعوا 200 متر فحسب، وكانت القوات الأفغانية تسير وراءهم، قبل ان يتوقف الجندي عن الحراك، ويرفض متابعة السير.
وغالبا ما يشعر مشاة البحرية الأميركية المتمركزين في بلدة "غارمسر" بولاية هلمند، والذين يشاركون القوات الأفغانية في فرض الأمن، بنوع من الإحباط، بسبب الحوافز المحدودة التي تتوفر لدى القوات الافغانية، التي يسعى التحالف الغربي إلى استمالتها لتولي المسؤولية الأمنية.
ومن غير المرجح أن يتكرر مشهد تسليم الأمن لمساحة ميل مربع من "شكر غاه" عاصمة هلمند، على الرغم من طابعه الرمزي، والذي تم التهليل له كجزء من بداية انتقال أوسع للمسؤوليات الأمنية للسلطة الأفغانية.
وتعتبر "غارمسر" التي تقع على بعد 30 ميلاً باتجاه الجنوب إحدى المقاطعتين الأكثر تنعما بالسلام في ولاية هلمند، ويتوقع أن تكون بين المناطق التي سيجري تسليم أمنها إلى القوات الأفغانية. لكن الأفغان في بعض أجزاء المقاطعة ليسوا مستعدين للقيام بدوريات من غير مرافقة مشاة البحرية الأميركية، كما أن المسؤولين الحكوميين لا يحبذون خروج قوات التحالف من هذه المنطقة.
تحذيرات
وخلال اجتماع أمني عقد أخيرا، حذر رئيس المخابرات في الولاية، مير حمزة، قادة قوات البحرية الأميركية من الانسحاب من المقاطعة، خوفا من أن تقوم طالبان بالاستيلاء عليها سريعا.
وهذا يشير إلى اعتقاد مشترك بين قوات التحالف والقوات الأفغانية والمسؤولين السياسيين بأن الأفغان ليسوا مهيئين بعد لتحمل مسؤولية هذا المربع المسالم من الولاية، ويعتقد بعض الأفغان أن عملية تسليم كاملة للمسؤولية الأمنية تعد غير ممكنة قبل مرور عقد من الزمن.
ولم تستطع خمس كتائب متتالية من مشاة البحرية الأميركية من شل قدرة المتمردين على النشاط في تلك المقاطعة. وكانت الدفعة الأولى من هذه القوات قد وصلت صيف 2008 لتحل محل وحدة من الجنود البريطانيين الرابضين هناك، وكان المتمردون يسيطرون على مجمل المقاطعة تقريبا، لكن الأوضاع تغيرت ولم يبق إلا خلية واحدة لطالبان تعمل في المنطقة، وهذه الخلية ليست لديها روابط مع القاعدة أو أي مجموعة إرهابية أخرى.
تكاليف
لكن الجهد طال والتكاليف زادت أكثر بكثير مما وعد به المسؤولون العسكريون الرئيس الأميركي باراك أوباما. فقد امتدت جهود مكافحة التمرد في هذه المقاطعة، التي يبلغ عدد سكانها 150 الف نسمة، إلى ثلاث سنوات وكلفت الولايات المتحدة حوالي 3 مليارات دولار.
لكن القوات الأفغانية تقول إنها لن تستطيع الحفاظ على الهدوء الذي تحقق بشق النفس، إلا إذا تم تزويدها بمليارات الدولارات من المعدات وبرامج التدريب.
وتقول مصادر من مشاة البحرية الأميركية في "غارمسر" إنه على الرغم من أن الجيش والشرطة الأفغانيين هما اكثر قدرة اليوم مما كانا عليه منذ ثلاثة اشهر على تولي المسؤولية الأمنية، إلا أنهما يعتمدان بشكل كبير على مشاة البحرية الأميركية، للحصول على العتاد والمؤن، وللتخطيط للعمليات وتوجيهها.
يقول مايك كوبيلوس، المستشار من "الباني" بنيويورك إنه لدى الفرق الأفغانية في قاعدة "كوشاتي" كل المهارات التكتيكية التي تحتاجها للعمل، وإنها تقوم بدوريات يومية دون أي مرافقة من مشاة البحرية الأميركية، ومستواها يمكن مقارنته بمستوى قدرات الفرق الأميركية، لكنه يشير إلى تراجع قدراتها مع التقدم في مستويات القيادة.
وكانت جهود كبيرة قد بذلت في سبيل فصل الجنود الأفغان عن خطوط الإمدادات لمشاة البحرية الأميركية. ويشعر مشاة البحرية الأميركية بأنهم مجبرون على تزويد الأفغان بالماء والوقود، لأن القوات الأفغانية على غير استعداد لاستخدام أنظمة إمداداتها الخاصة.
لكن حتى لو كانوا مزودين جيدا بالرجال، فإن كل مسؤول أفغاني أو رجل شرطة يشدد على حاجة القوات الأفغانية إلى المعدات المتطورة، مثل المروحيات والدبابات والمركبات المدرعة الثقيلة للحفاظ على الأمن في "غارمسر".
وكان الرئيس الأفغاني حامد قرضاي قد أدلى بتصريحات تصب في هذا التوجه، لكن قادة التحالف رفضوها باعتبارها غير مقبولة وغير ضرورية. ويشكل نقص المعدات المضادة لأجهزة التفجير غير التقليدية "التحدي الأكبر" في إطار تحسين قدرات قوات الأمن الأفغانية.
ويرى قائد القوات القتالية في مشاة البحرية الأميركية الجنرال لويس كراباروتا أنه بعد سنة من مرافقة القوات الأميركية المجهزة بكاسحات للألغام، فإنه من غير المتوقع أن تقوم القوات الأفغانية بتغطية التضاريس نفسها، من دون تلك الحماية. ويقول القائد الأعلى لقوات التحالف والقوات الأميركية في أفغانستان الجنرال جون آلن، إنه ناقش حاجات أفغانستان من المعدات مع الرئيس قرضاي. وفي المقابل، يرى البعض أن المعدات ليست السبب الذي يحول دون أخذ القوات الأفغانية دورا أكبر في الأمن، بل نقص التدريب في صفوف القوات الافغانية.
يقول كابتن سرجل خان الذي يدير قوات الشرطة في منطقة لاكري بمقاطعة غارمسر، إن رجال الشرطة لديه يعملون جاهدين إلى جانب مشاة البحرية الأميركية "لإبعاد طالبان عن البلاد"، لكنه يقر بأن مشاة البحرية الأميركية يقومون بمعظم العمل حتى الآن. نقص الإمدادات
يرجع مشاة البحرية الأميركية النقص في الطواقم والإمدادات إلى سوء الإدارة. يقول المشرف على تدريب الشرطة في مقاطعة غارمسر، كابتن جيسن هوفمان، إن لديه معلومات عن 22 رجل شرطة تم تعيينهم في غارمسر يبدو انهم يتركزون في "شكر غاه"، مشيرا إلى أنه لم يسبق له أن رأى الرجال ولا يعلم ما إذا كانوا موجودين فعلا.
والقضية نفسها تنطبق على مرجة، وهي منطقة مجاورة.
ويشك مشاة البحرية الأميركية في أن تكون هناك رشى تقدم لنقل الجنود إلى شكر غاه، وهي المدينة الأكثر أمانا في هلمند، مما يزيد من تجفيف المصادر المتوفرة لدعم المقاطعتين.
