لم يحقق الرئيس الأميركي باراك أوباما رغبة صقور الجنرالات ولا الحمائم، بقراره سحب كل جنود خطة زيادة القوات أي 30 الف جندي من أفغانستان، قبل ستة أسابيع من انتخابات 2012، وبتعداد 10 آلاف فقط بنهاية السنة الحالية، لكنه مع ذلك تمكن من خدمة أهدافه السياسية على أفضل نحو.

كانت أي زيادة أكبر في عدد الجنود المنسحبين يمكن أن تهدد المكاسب التي تم تحقيقها في ولايتي قندهار وهلمند، وتتسبب بانتفاضة بين قادة الجيش، مع إمكانية استقالة بعض الجنرالات شاجبين أوباما لحجبه عنهم القوات التي تمكنهم من الانتصار. ويقول السناتور الجمهوري الأميركي جون ماكين نقلاً عن بعض الجنرالات إنه بوجود عدد أقل من الجنود الأميركيين وبمهام اكثر لكل وحدة، فإن عدد الإصابات في صفوفهم من المتوقع أن يرتفع.

وفي المقابل، كان انسحاب محدود سيثير غضب اليسار، الذي يشكل دعمه أمرا لا يمكن الاستغناء عنه لكي يفوز أوباما بفترة رئاسة ثانية.

لذا فإن أوباما فعل الشيء الطبيعي بعدم ترجيح أي من وجهتي النظر.

ان هدف أوباما الاستراتيجي الآن هو تجنب الخسارة، حتى الانتهاء من انتخابات 2012. ويشكل احتفاظه بـ 70 الف جندي في أفغانستان، خلال موسم القتال وموسم السياسة لعام 2012، بوليصة تأمين تحفظه ضد أي هجوم لطالبان شبيه بهجوم "تيت" الفيتنامي، كما ضد أي تراجع عسكري أميركي رئيسي، لحظة توجه المصوتين لملء صناديق الاقتراع.

 

حل سياسي

وفي مرحلة ما بعد الخطاب، كانت هناك ثرثرة حول "حل سياسي"، عن طريق عقد مؤتمر ســـلمي يــــضم باكستان والهند وروسيا والصين وايران، ويدعى إليه حكومة قرضاي والمعتدلون بين طالبان لتسوية خلافاتهم، وهذا وهم أساسه التمني أكثر من التحليل العقلاني.

ألم تمر أميركا بتجربة مماثلة من قبل، عندما قام الجنرال جورج مارشال بدعوة الشيوعيين أتباع ماو تسي تونغ، والوطنيين أتباع تشانغ كاي تشيك، لعقد تحالف في أواخر الأربعينات، ومن ثم الدعوة لعقد سلام بين ثوار الفيتكونغ والفيتناميين الجنوبيين في جنوب شرق آسيا عام 1973؟

 

أجندة سياسية

وطالبان اليوم، كما الشيوعيون القدامى، تريد كل شيء أو لا شيء، وتتمتع برؤية وأجندة سياسية تستند إلى إيمان ديني، ولقد تمكنت من استلام السلطة في التسعينات، أظهرت استعدادها للموت في سبيل معتقداتها أكثر من الجيش الوطني الأفغاني.

وهذا الكلام ليس لتشويه سمعة الجنود الأفغان الشجعان الذين يضحون بدمائهم، لكن طالبان لم تكن تحتاج إلى تدريب أو أسلحة أو دعم جوي ونيراني أو شيكات من أميركا للذهاب إلى القتال. والانتحاريون الذين يضحون بحياتهم هم كلهم من طالبان، وينضمون إلى طالبان من تلقاء انفسهم. عشر سنوات حاربت طالبان الجنود الأميركيين ومشاة البحرية الأميركية المدعومة من جنود "ناتو" .

فإذا تحـــــولت أفغـــــانســتان إلى حرب مسدودة الأفــــــق بيـــــن الأميركيين وطالبان بعد عقد من الزمن، قضى خــــلاله 1600 أميركي حتفهم وجرح 12 ألفا، فكيـــــف سيتـــــمكن نظام قرضاي والجــــــيش الأفغاني من أن ينجحا في مواجهة طالبان بمفردهما، عند رحيل الجنود الأميركيين الأفضل تدريبا وتنظيما في العالم؟

"هذه الحــــرب لا تسلم نفسها للحل العسكري" هي الصيـــــغة المبتذلة لهذه الساعة. وطبعا إذا لم تستطع أميركا تحقيق النصر على طالبان بوجود 100 الف جندي، فمن غير المرجح أن يتم تحقيق ذلك بوجود 70 ألف جندي أو ما تبقى من هذه القوات في عام 2014. لكن هل سمع أحد أن طالبان تريد التنازل؟

لكن حتى لو جاءت طالبان إلى طاولة المفاوضات، ووافقت على المنافسة ديمقراطيا، هل يعتقد احد أنها ستكون مخلصة لالتزاماتها تجاه أميركا؟

تراجع أميركي

 

خــــلال الأشــــهر المقبلة، ستقوم أميركا بسحب كل أو معــــظـــم قواتها، البالغة 50 الــف جــــندي من الـــــعراق، بالإضــــــافة إلى 30 الف جندي من مسرح العمـــــليات الأفغــاني، وسيحذو حلفاؤها في "ناتو" حذوها.

وفي النـــــهاية سـيترك الــــعراق لقـــــمة ســائــــــغة، أمـــا الــــــعالم الإسلامي فســـــوف يرى انسحاب الــــقوات الأميركية من أفغانستان على ما هو عليه، أي تراجــــع أجــــبرت علـــيه أميركا المتـــــــعبة من الحروب مـــن قبل مقاتلين ورعين من أبناء المجاهدين الذي دحروا الجيش الأحمر في الثمانينات.

وليكن معلوما ان أوباما سيخرج من أفغانستان، أما حكومة قرضاي والجيش الوطني الأفغاني، فلن ينجحا. وسيلقي جون ماكين والمحافظون الجدد باللوم على ذاك اليوم الرهيب في أفغانستان، على أولئك الذين رفضوا الصمود بمعزل عن التكلفة في الدماء والمال.

لكن التاريخ يتعــــين ان يتــهــم أولــــئك الـــــذين دفعوا أمـــــيركا لخوض أطــــول حربين في تاريخها وأقـــلهما أهمية، وليس أولئك الذين قرروا تقلــيص الخسائر الأميركية.