أجرت مجلة "دير شبيغل" الألمانية، مقابلة مع ميخائيل غورباتشوف الرئيس الأخير للاتحاد السوفييتي، البالغ من العمر 80 عاما، تناولت الأيام الأخيرة للاتحاد، حيث أعرب عن حزنه العميق لتفككه، وتحدث عن فشله في حل مشكلات الحزب الشيوعي وندمه على الدماء التي أريقــت في أعقاب ذلك، واتهم رئيس الوزراء الروسي الحالي فلاديمير بوتين بأنه يعيد " البلاد إلى الوراء". وفي ما يلي نص الحوار:
على الرغم من خضوعك لعمليات جراحية، أخيرا، فإننا نراك وقد عدت إلى السياسة؟
لن أتخلى مطلقا عن السياسة، حاولت القيام بذلك ثلاث مرات، ولم افلح، وكان لي من العمر 54 عاما عندما توليت منصب الأمين العام، وكنت حينها العضو الأصغر سناً في المكتب السياسي عندما توفي الأمين العام السابق قسطنطين تشرنينكو.
ربما يمكنك ان تشرح لنا تفاصيل اجتماع المكتب السياسي الحاسم الذي تلا وفاة تشرنينكو في مارس 1985. وكان وزير الخارجية آنذاك أندريه غروميكو هو الذي رشحك لقيادة الحزب. لماذا قام بذلك؟
لأن غروميكو كان شخصا جديا وبمنتهى الذكاء، ولقد ادرك إشارات ذاك الزمن. عندما أصيب تشرنينكو بالمرض، كنت أدعى في الغالب للقيام بأعمال الأمانة العامة والمكتب السياسي، وعندما توفي أصبحت الخلافة قضية ملحة، التقيت بغروميكو لمدة 30 دقيقة قبل اجتماع المكتب السياسي الحاسم، وقلت له إن الوضع خطير والناس تطالب بالتغيير، وطلبت منه حل المشكلة سويا، فوافق.
وماذا كان موقف زوجتك رايسا في تلك الليلة؟
أخبرتها ان اسمي قد يطرح كمرشح لمنصب الأمين العام الجديد في ذاك اليوم، وأن البلاد قد خبرت ثلاثة أمناء عامين على مدى السنوات الأربع الماضية، وشرحت لها أنني لن أخيب ظنهم، لان الناس سوف تفسر الأمر على انه جبن سياسي.
دائما يجري الحديث عن أربعة أسباب وراء فشل نظرية "بروستريكا" لإعادة النهوض بالاتحاد السوفييتي.
هل قلت "فشل"؟
نعم، لكن لا نريد التوقف عند الكلمة، السبب الأول يتعلق بمعالجة أعراض مرض النظام الشيوعي، من دون الوصول إلى لب المشكلة، حيث بقي الاقتصاد المخطط واحتكار الحزب للسلطة دون مساس لفترة طويلة.
لنأخذ كل نقطة على حدة ونعالجها. أولا، كنت سأطلق "البروستريكا" بالطريقة نفسها اليوم، وكان شعارنا "لم يعد بإمكاننا العيش بهذه الطريقة".
لكن كان ينقصك المفهوم الملائم لإجراء التغيير.
تعلمون ما كان يحدث في الاتحاد السوفييتي كل ما كان يلزم مزحة سياسية لينتهي بي المطاف في ماجادان، معسكر الاعتقال منذ أيام ستالين، فما بالكم بوجود خطة وفريق دعم؟ أولاً كان علينا قيادة الناس للخروج من سباتهم، ومؤسسة الحزب لم تكن بحاجة إلى بروستريكا، بل إلى "غلاسنوست" أي الانفتاح. كان هذا يشكل المسار إلى الحرية، وفي ما بعد اعددنا الانتخابات الحرة الأولى في روسيا منذ ألف سنة.
على مشارف الانهيار
عندما التقى رؤساء روسيا وأكرانيا وبيلاروسيا قرب بريست في ديسمبر 1991 ووجهوا الضربة القاضية إلى الاتحاد السوفييتي دون علمك، قام مساعد رئيس المستشارية الرئاسية بتوجيه النصح إليك بإرسال طائرتي هليوكبتر ووحدة خاصة لوضع الرجال الثلاثة رهن الإقامة الجبرية. هل كان هذا خياراً مطروحاً، لاسيما وأن نتائج الاستفتاء كانت إلى جانبك تدعمك.
الأمر لم يكن كما شرحت. كان يلتسين قد ناقش الرحلة إلى بيلاروسيا معي، وقال إنه يريد أيضا دعوة الرئيس الأوكراني ليونيد كرافتشك للحضور، وقال إنه من الصعوبة إقناع الأوكرانيين بالمشاركة في اتفاقية الاتحاد الجديدة بعد استفتاء كييف حول الاستقلال.
وقلت له إن هذا لن يقف في طريق توقيعهما على الاتفاقية بتاتا. وبأي حال، كل الجمهوريات الأخرى كانت قد أعلنت استقلالها أصلاً، كدليل على المزيد من السيادة. ثم سأل يلتسين: لكن ماذا سيحصل إذا رفض الأوكرانيون التوقيع على الاتفاقية الجديدة؟ فأجبته إنهم سيوقعون على الاتفاق لا محالة، لكنه سيكون هناك قرار يتخذه البرلمان الأوكراني وإن موسكو لن تعارض استقلال أوكرانيا.
ثم ذكرته انه بعد عودته، سيعقد اجتماع، وأنني سبق أن دعوت رؤساء أوكرانيا وبيلاروسيا وكازاخستان للحضور. يلتسين ومؤيدوه كانوا في الواقع يتآمرون ضد الدستور. وعندما اصبح الأمر جليا، اعتقدت أن ثلاثة أشــخاص بمفردهم لا يمكنهم حل الاتحاد.
هل تقول إنه لم يكن بإمكانك استخدام القوة ضد الرؤساء الثلاثة؟
كان يمكن أن يؤدي ذلك إلى حرب أهلية يجب تجنبها بأي شكل من الأشكال. ثانيا، كانت البلاد في حالة صدمة. وكانت الصحافة صامتة، ولم يخرج احد إلى الشارع للدفاع عن الاتحاد. وكان الناس مرتبكين. ولم يفهموا أي نوع من "كومنولث الدول المستقلة" هو ذلك الذي أطلقه يلتسين وحلفاؤه. بدت الأوضاع غير خطرة ويمكنها ان تؤمن حرية أكبر للجمهوريات في الاتحاد.
ولاحقا فقط أدرك الناس أن هذه البلاد الكبيرة كانت تتهاوى، وحتى اليوم، فإن أغلبية الذين جرى استطلاع رأيهم يقولون إنهم نادمون على أن الاتحاد السوفييتي قد انهار، لكن 9% فقط منهم يؤيدون عودته.
معظم الناس بمن في ذلك الأميركيون والألمان يزعمون انهم كانوا سيدعمون الإبقاء على الاتحاد السوفييتي.
لأن الصورة كانت مبهمة ولم يدركوا ما إذا كانت الأطراف ستذهب إلى الفوضى أم لا، بعد نهاية الاتحاد السوفييتي. وكان الرئيس الأميركي جورج بوش، في وقت سابق، قد منع الأوكرانيين، على الرغم من وجود آخرين في واشنطن كان ينتظرون ذلك بفارغ الصبر، من العمل على انهيار الاتحاد السوفييتي ولو في السر.
وعندما ذهبت إلى اجتماع القمة السبع في يوليو 1991 وطلبت قروضا لمعالجة الأوضاع الاقتصادية الصعبة، رفض الأميركيون واليابانيون منح الدعم، في حين لزم المستشار الألماني الأسبق هلموت كول الصمت، الرئيس الفرنسي فرنسوا ميتران والمفوضية الأوروبية وحدهما أظهرا دعمهما. وكان وزير الخارجية الألماني، هانز ديتريش غينشر، مؤيدا. وتوقعنا الحصول على 30 مليار دولار، لكن من دون جدوى، فشركاؤنا كانت تنقصهم الرؤية.
ثم جاء الانقلاب، لكن الأميركيين كانوا قد حذروك قبل شهرين من وقوعه، بل انهم ذكروا أسماء المشاركين فيه بمن في ذلك رئيس جهاز "كي جي بي" كريوتشكوف، أليس هذا صحيحا؟
اتصل بي بوش، وأفاد أن المعلومات هي من حاكم موسكو غافريل بوبوف.
ولم تصدقه؟
كان المحافظون قد اعلنوا مرات عدة أنهم يريدون التخلص من غورباتشوف، ولقد حاولوا ذلك في لجان عدة، من دون إحراز نجاح. وحينها كان لدينا برنامج لمكافحة الأزمة، بدعم من جميع الجمهوريات، وكان من المتوقع التوقيع على اتفاقية الاتحاد الجديدة في 20 أغسطس، وكان مجلسا استثنائيا سيصلح الحزب، وكان معارضو البروستريكا قد انهزموا قبل قيامهم بتنظيم انقلاب.
وأنت اخترت الذهاب في عطلة إلى جزر القرم في أوقات مصيرية كتلك؟
اعتقدت انهم سيكونون أغبياء إذا اقدموا على تلك المخاطرة، وبالتحديد في تلك اللحظة، لأنها كانت ستطيح بهم. لكن للأسف كانوا أغبياء فعلا، ولقد دمروا كل شيء، ولقد برهنا نحن أيضا على كوننا أشباه أغبياء، وهنا اشمل نفسي، كنت مصابا بالإنهاك، وعلى حافة الانهيار، لكن لم يكن يفترض بي الذهاب في عطلة، كانت تلك غلطة.
هل سيكون اليوم أفضل لو استمر الاتحاد السوفييتي في البقاء؟
أليس الجواب واضحا ؟ على مدى عقود من الزمن كانت كل الأمور رهن الإنجاز معا: الثقافة والتعليم واللغة والاقتصاد وكل شيء. بناء السيارات في جمهوريات البلطيق والطائرات في أوكرانيا. وما زلنا لا نستطيع الحصول على أشياء كثيرة من دون ان نكون معا، وكان وجود 300 مليون نسمة أمرا جيدا لنا.
هل هناك أشياء أخرى لا تزال تحز في نفسك؟
كان هدفي تجنب إراقة الدماء، لكن للأسف سفكت الدماء في نهاية المطاف، وما يقلقني هو عجزي عن حل مشكلة الحزب الشيوعي في الوقت المناسب، والتقليل من شأن رغبة الجمهوريات الأخرى في تقرير شؤونها بنفسها، من دون تدخل الحكومة المركزية.
دعنا ننتقل إلى وضع روسيا اليوم. عندما وصل رئيس الوزراء الروسي الحالي فلاديمير بوتين إلى منصب الرئاسة في 2000، دعمته، هل كنت على معرفة به في السابق؟
لقد ساعدني عندما ترشحت للانتخابات الرئاسية في 1996.
لكنك تقول إن روسيا في ظل قيادته أصبحت تشبه دولة أفريقية تحكم من قبل دكتاتوريين لمدد تصل إلى 20 سنة، ما الذي أثار اعتراضك فجأة؟
أنا لم استخدم كلمة "دكتاتور" بل أنت، لقد دعمت بوتين خلال رئاسته، ولا زلت ادعمه بشتى الطرق الآن.
لكنك طلبت منه عدم الترشح للرئاسة مجددا؟
ما يقلقني هو ما يقوم به حزب روسيا الموحد الذي يقوده بوتين والحكومة. يريدون الحفاظ على الوضع القائم. ولا توجد خطوات إلى الأمام. على نقيض ذلك، يعيدوننا إلى الوراء، في الوقت الذي تحتاج البلاد بشكل ملح إلى التحديث. واحيانا تذكرني روسيا الاتحادية بالحزب الشيوعي السوفييتي السابق.
