خلال محادثة هاتفية مع مسؤول تركي رفيع المستوى، بدأ موقع "سي أن أن ترك" بعرض خبر عاجل عن رد فعل الحكومة الإسرائيلية على إنذار الحكومة التركية في ما يخص قضية السفينة "مرمرة". واستنادا إلى تلك الأخبار، فإن الحكومة الإسرائيلية أعربت عن اسفها لقيام جنودها في مايو 2010 بقتل 9 مدنيين أتراك ممن كانوا ضمن مجموعة تنقل مساعدات إلى الفلسطينيين في غزة القابعة تحت الحصار الإسرائيلي، لكن الحكومة الإسرائيلية في المقابل رفضت تقديم اعتذار عن الهجوم، بل وطلبت من تركيا أن تكون اكثر التزاما بقوانين الملاحة الدولية في المستقبل.
وقد بدا صوت المسؤول التركي عبر الهاتف موحياً بالتهجم، وهو يستنكر قائلا: "بإمكانهم الذهاب إلى الجحيم، سوف يدركون معنى احترام قوانين الملاحة الدولية، عندما تبحر البحرية التركية إلى المياه الدولية للبحر المتوسط إذا لم يقدموا اعتذاراً عن الهجوم على السفينة"
وبدأ انهيار التعاون التركي-الإسرائيلي في عام 2009، في أعقاب الخلاف الذي انفجر بين رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان والرئيس الإسرائيلي شيمون بيريز، بشأن العمليات العسكرية الإسرائيلية ضد الفلسطينيين والتي تؤدي إلى مقتل مدنيين في غزة، ثم جاءت حادثة السفينة مرمرة لتزيد من توتر العلاقات بين الطرفين.
وبجهود الولايات المتحدة، قامت الأمم المتحدة منذ تسعة أشهر بتشكيل لجنة للنظر في القضية. وأعقب ذلك إجراء اربع جلسات تفاوض سرية في كل من بروكسل وبوخارست وجنيف ونيويورك وروما ومن ثم نيويورك على التوالي، بين مسؤولين رفيعي المستوى أتراك وإسرائيليين لإيجاد أرضية مشتركة بين الجانبين، ذلك لأن تركيا كانت تطالب بأمرين أساسيين، وهما: أولا، الحاجة إلى اعتذار رسمي علني وتعويض لعائلات الضحايا في سبيل تطبيع العلاقات، وثانيا توقف إسرائيل عن المضايقات والتحرش في شرق البحر المتوسط والتصرف كأنها القوة المهيمنة هناك.
وفي الوقت الذي كان وزير الخارجية التركي أحمد أوغلو يوجه إنذاره الذي يتضمن تخفيض مستوى العلاقات الدبلوماسية، وتعليق الاتفاقيات العسكرية وتحدي إسرائيل في المحاكم الدولية وفي المياه الدولية للبحر المتوسط، قال إن البلدين تقاربا أربع مرات خلال التسعة شهور الماضية.
وفي إحدى المرات في جنيف في ديسمبر 2010، على اثر قيام تركيا بإرسال طائرات لإخماد الحرائق التي اندلعت في الغابات في إسرائيل، التقى دبلوماسيون من الطرفين في جنيف بدعم كامل عبر الهاتف من أردوغان ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو. لكن الاتفاقية لم تخرج إلى حيز التطبيق لفشل نتانياهو في التغلب على معارضة وزير خارجيته وشريكه في التحالف اليميني المتطرف أفيجدور ليبرمان خلال اجتماع الحكومة الإسرائيلية.
وفي تلك الأثناء، صرح وزير الحرب الإسرائيلي إيهود باراك وقادة الجيش الإسرائيلي بأنهم يدعمون الاتفاقية مع أنقرة مقابل الاعتذار. وكانوا يدركون أنه إذا صدر التقرير وتضمن تهماً بمقتل مدنيين، أو إذا أشار إلى أن الجنود أطلقوا النار على رؤوس القتلى من الخلف، على سبيل المثال، فإن هذا ستكون له تبعات قانونية دولية على الجنود الإسرائيليين.
لكن موقفهم لم يستطع إضعاف المقاومة داخل مجلس الوزراء الإسرائيلي، وانهارت الدبلوماسية بين البلدين أخيرا، بعد أن اتهم الأتراك الإسرائيليين بتضليل وسائل الإعلام من خلال ادعائهم أن الأتراك هم من يريد ستة أشهر أخرى قبل إصدار التقرير. وتحدت تركيا الأمم المتحدة والولايات المتحدة إصدار التقرير فورا، في حين طلبت وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون من أوغلو مزيداً من الوقت لإقناع الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون والإسرائيليين.
لكن جماعات الضغط التي تمكنت من الإدلاء بخطاب في الكونغرس الأميركي، بمساعدة من المعارضة الأميركية في الوقت الذي كان الرئيس الأميركي باراك أوباما خارج الولايات المتحدة في أوروبا، ربما تمكنت أيضا من تسريب التقرير إلى صحيفة نيويورك تايمز بهدف التسبب بمزيد من الإحراج لكلينتون ولدفع أوغلو نحو الانفجار.
علاقات
في صلب انهيار العلاقات التركية الإسرائيلية، والتي تجعل أي إعادة تقارب بين البلدين غير مرجحة على الأغلب حاليا، يوجد الاختلاف في الرؤية حيال الشرق الأوسط ودور كل من الجانبين في المنطقة، بالنسبة لتركيا، يشكل الاحتلال الإسرائيلي المستمر للأراضي الفلسطينية وبالتحديد غزة عائقا رئيسا في الطريق إلى إيجاد نوع من النظام الإقليمي المتناغم مع تطلعات أنقرة، وبالنسبة لإسرائيل، فان تركيا بمد يدها إلى حماس في المنطقة إنما تتجه بسرعة للانضمام إلى محور المقاومة ضدها.
ويشكل تقرير الأمم المتحدة المثال الأخير لكيفية فشل تركيا وإسرائيل في التعامل مع القضايا الأكثر أهمية في المنطقة، ففي الوقت الذي ترى إسرائيل أنها تفرض حصارا بحريا على غزة، ترى تركيا أن إسرائيل تعامل البحر المتوسط كبحيرة خاصة لها.
