عندما تجتمع لجنة تخفيض النفقات في الكونغرس في وقت لاحق من هذه السنة لتقرير الاقتطاع من الميزانية الفيدرالية، فإن حربي أفغانستان والعراق ستكونان هدفين مستساغين لهذه الاقتطاعات، لكن تساؤلا يطرح هنا حول الكلفة الحقيقية لهاتين الحربين على دافعي الضرائب الأميركيين.

والواقع أنه ما من أحد يعرف الجواب على وجه الدقة. فخلال السنة المالية 2011، خصص الكونغرس لوزارة الدفاع 1.3 تريليون دولار للإنفاق على الحرب. لكن علاوة على ذلك، أنفقت البنتاغون أيضا خلال الفترة نفسها مبلغا إضافيا غير محدد من الميزانية الأساسية البالغة 5.2 تريليونات دولار. واستنادا إلى دراسة حديثة لجامعة براون بالولايات المتحدة، فإن الحروب وتأثيراتها المتتالية كلفت الولايات المتحدة 3.7 تريليونات دولار أو اكثر من 12 الف دولار لكل أميركي.

ويبقى المشرعون منقسمين حول حكمة خفض الميزانية العسكرية، بمعزل عن تقليص المهام القتالية في الحربين، وهناك مشكلة جوهرية أخرى تتعلق بتحديد ما ينفقه الجيش الأميركي على الحروب بالفعل.

 

تكاليف مذهلة

وبحسب أرقام وزارة الدفاع الأميركية، فإن الحربين في العراق وأفغانستان كلفتا بنهاية أبريل الماضي، بشمل الطواقم والمعدات الخاصة بتدريب القوات الأمنية العراقية والأفغانية، ونشر الطائرات الموجهة عن بعد، ما معدله 9.7 مليارات دولار في الشهر، وهذا الإجمالي يوازي الميزانية السنوية لـوكالة حماية البيئة، كما يستلزم وزارة الخارجية اكثر من أربعة اشهر لانفاق هذا المبلغ، بميزانيتها السنوية البالغة 27.4 مليار دولار.

وبما أن احتساب الميزانية عملية معقدة وتتصف بالغموض، فإنه من المستحيل الوصول إلى تقسيم دقيق لكل تكاليف التشغيل، لا سيما وأن بعض التمويل يأتي من خارج الميزانية الأساسية، ومن المخصصات التكميلية.

لكن التقديرات وحدها تعطي مؤشرات عن ضخامة التكلفة، إذا ما أخذنا بعين الاعتبار التحديات اللوجستية للحصول على المعدات الأساسية في البلدين. ففي أفغانستان، على سبيل المثال، أنفق الجيش الأميركي 1.5 مليار دولار لشراء 329.8 مليون غالون من الوقود من أكتوبر 2010 إلى مايو 2011، لكن الرقم لا يتضمن كلفة إيصال الوقود إلى مواقع القتال، والكلفة البشرية لنقله والتي يمكنها زيادة الكلفة الإجمالية إلى مئات الدولارات مقابل كل غالون. ومجرد إيصال التبريد إلى الجنود في أفغانستان، بما في ذلك النقل والصيانة، يكلف 20 مليارا في السنة.

والإنفاق الحربي مساهم أساسي في الدين الفيدرالي البالغ 14.3 تريليون دولار، لكن منذ ان قامت الحكومة الأميركية بإصدار سندات حرب للمساعدة في تمويل الحرب العالمية الثانية، فإن تحميل دافعي الضرائب أعباء الحرب بات يميل إلى الانخفاض في أوقات الصراع، في أوائل الخمسينات قام الكونغرس بزيادة الضرائب 4% من الناتج المحلي الإجمالي للإنفاق على الحرب الكورية، وفي عام 1968، خلال الحرب الفيتنامية، تم فرض ضريبة لزيادة الإيرادات بحوالي 1% من الناتج المحلي الإجمالي.

ولم يجر فرض مثل هذه الآلية في حالة حربي العراق وأفغانستان، وفي السنوات الأولى من الحربين، لم يطالب الكونغرس بمحاسبة على الإنفاق، معطيا الجيش ما يريده من أموال.

واليوم، يبقى فرض اقتطاع كبير من البنتاغون عملا غير مستساغ بالنسبة لعدد من المشرعين، واتفاق سقف الدين الذي يدعو إلى اقتطاع في الإنفاق على الأمن والدفاع بمقدار 350 مليار دولار إلى عام 2024، من المتوقع أن يطال عدة هيئات حكومية أيضا. إذا لم تستطع اللجنة العليا لواضعي القوانين من الحزبين، المؤلفة من 12 عضوا، الاتفاق على المزيد من الاقتطاعات في الميزانية الفيدرالية هذه السنة، فإن القانون يعطي صلاحية اقتطاع مبلغ 1.2 تريليون دولار من الميزانية، شاملا كل البنود، على مدى عشر سنوات، على أن يجري اقتطاع نصف هذا المبلغ من البنتاغون، ومن المتوقع أن يشكل حصول اقتطاع كبير في بند الدفاع دافعا قويا لصقور الميزانية لإجراء تسوية وتوزيع الاقتطاع ليطال بنود أخرى.

 

عملية معقدة

وإيجاد بنود للتوفير في مجال الدفاع أمر معقد، حتى مع محاولات إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما تقليص المهام القتالية في البلدين. فتخفيض عدد الجنود لا يؤدي بالضرورة إلى خفض التكاليف بما يتناسب مع هذا التخفيض في عدد الجنود، إذا ما أخذنا بعين الاعتبار البنية التحتية الضخمة التي لا زال يحافظ عليها الجيش في كلا البلدين. في أفغانستان، ارتفعت تكلفة كل فرد يخدم في الجيش من 507 آلاف دولار في السنة المالية 2009 إلى 667 ألف دولار في السنة التالية، ومن المتوقع ان تصل في السنة المالية 2011 إلى 694 ألف دولار، حتى مع بدء الجيش الأميركي بسحب 33 ألف جندي من أصل ال 99 ألف جندي الموجودين هناك، وفي العراق، ارتفعت تكلفة كل فرد يخدم في الجيش من 510 آلاف دولار في 2007 إلى 802 ألف دولار هذه السنة.

وفي السنة المالية 2011، وافق الكونغرس على تخصيص 113 مليار دولار للحرب في أفغانستان و46 مليار دولار للحرب في العراق، أما الميزانية المطلوبة للبنتاغون في 2012 فهي تقل عن سابقتها، حوالي 107 مليارات دولار لأفغانستان و11 مليار دولار للعراق. وحاولت البنتاغون أن تكون سباقة في اقتراح اقتطاع بعض البرامج العسكرية الرئيسية، مثل المقاتلة إف -35 مرتفعة التكلفة.

ولتحديد تكاليف الحرب من المفترض تعريف ماذا تتضمن: هل تتضمن زيادة الرعاية الصحية لقدامى المحاربين؟ أم الأضرار التي ألحقتها حربي العراق وأفغانستان بالعائلات والمدن والمؤسسات؟ أم الاحتفاظ بمئات الألوف من المعتقلين في السجون العسكرية الأميركية؟

تأثيرات متتالية

 

يعتقد فريق من الخبراء في جامعة براون إن التأثيرات المتتالية للحروب على الاقتصاد الأميركي كانت كبيرة، على صعيد خسارة الوظائف وارتفاع الفائدة، وهذه التأثيرات لم تعط الأهمية المطلوبة. في حين يقول وينسلو ويلر الذي اشتغل على قضايا الأمن القومي على مدى ثلاثين عاماً: إن أساطيل البحرية وسلاح الجو باتت أصغر عددا بعد عقد من الحرب، وهذا يعني ان أميركا تدفع كلفة أعلى على قوة أصغر، بسبب ارتفاع كلفة استبدال المعدات خلال العقد الماضي.