أجرت مجلة "دير شبيغل" الألمانية مقابلة مع رجل الأعمال والملياردير الأميركي البارز جورج سوروس، تصدرها الحديث عن تطورات الأوضاع في منطقة اليورو في ظل استفحال الأزمة المالية التي يعيشها الاتحاد الأوروبي، حيث وجه انتقاداته إلى ألمانيا لعدم توليها زمام القيادة وفرض الحلول المناسبة على أوروبا، معلناً تأييده إصدار سندات يورو أوروبية كطريقة للخروج من حالة الاضطراب السائدة حاليا في أرجاء أوروبا.
وفي ما يلي نص الحوار:
نشاهد حاليا أزمة مصرفية عالمية، وأزمة عملة وأزمة دين سيادي. هل وصل المأزق المالي إلى مرحلة متطورة جدا بحيث يصعب التعامل معه؟ وكيف يمكن للسياسيين على ضفتي الأطلسي إيجاد حلول لهذا الحشد من الأزمات؟
السياسيون لم يحاولوا إصلاح الأزمات، بل شراء الوقت لا غير، لكن قد يلعب الوقت ضدهم، إذا ما رفضوا مواجهة القضايا ذات العلاقة وتوضيح ما هو على المحك لعامة الناس.
هل تتحدث عن الألمان؟ يعتقد عدد من الخبراء أن المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل كانت بوجه خاص مترددة في التعامل مع أزمة اليورو.
نعم، مستقبل اليورو يعتمد على ألمانيا، فألمانيا هي سائق القاطرة، لأنها اكبر اقتصاد في أوروبا وأفضل دولة تتمتع بتصنيف ائتماني ولديها فائض دائم. والواقع هو أن الألمان هم الآن في موقع يمكنهم من أن يملوا على أوروبا الحلول المناسبة لأزمة اليورو.
لماذا يتعين على برلين تبني هذه الفكرة؟
لأنه ببساطة لا يوجد بديل، وانهيار اليورو سيؤدي إلى أزمة مصرفية خارج سيطرة السلطات المالية كلية، وسيدفع العالم إلى ظروف تذكرنا بالكساد العالمي لثلاثينات القرن الماضي.
ماذا يفترض القيام به لمحاربة الأزمة؟
أعتقد انه لا يوجد إلا خيار واحد، ويتعين على ألمانيا أن تنقذ الوضع وذلك بالسماح لأعضاء منطقة اليورو بإعادة تمويل الحجم الأكبر من ديونهم بشروط مقبولة. ولذا هناك حاجة لهذه الكلمة القذرة "سندات يورو" أوروبية، لكن متطلبات إصدار هذه السندات تواجه مشكلة بقاء كل بلد أوروبي تحت سيطرة سياسته المالية الخاصة به.
لكن الألمان يمقتون فكرة تلك السندات.
لهذا هناك حاجة لتشكيل قواعد لضمان الملاءة المالية لكل عضو من أعضاء منطقة اليورو، وهذا الإجراء يجعل سندات اليورو مقبولة بالنسبة للألمان. وهناك صعوبة في الاتفاق على هذه القواعد، ولسوء الحظ، فإن الألمان يريدون من باقي أوروبا ان تتبع مثالهم، لكن لا توجد بلاد قادرة على إدارة فائض مزمن، من دون أن يعاني غيرها من عجوزات. ويتعين على ألمانيا أن تقترح قواعد يمكن للبلدان الأخرى أن تتبعها، وهذه القواعد يجب أن تسمح بتخفيض تدريجي للديون، كما يتعين عليها أن تسمح للبلدان التي لديها بطالة عالية، مثل إسبانيا، بأن تستمر في إدارة عجوزاتها المالية الدورية إلى أن تستعيد عافيتها.
هل الأزمة الحالية أسوأ من الأزمة التي ضربت العالم عام 2008؟
هذه الأزمة هي استمرار لأزمة 2008، فقد انهار النظام المالي وتوجب وضعه على أجهزة الإنعاش الاصطناعية، لكن الاختلالات التي سببتها الأزمة لا تزال قائمة.
ماذا تقصد؟
إن الأسلوب الذي اعتمدته السلطات منذ ثلاث سنوات كان في استبدال ديون الدولة لتحل محل ديون النظام المالي الذي انهار. وبعد انهيار مصرف "ليمان بروزرز" فإن وزراء المالية الأوروبيين اصدروا بيانا مفاده أنهم لن يسمحوا لمؤسسة مالية مهمة بالانهيار. وشكل هذا جهاز الإنعاش الاصطناعي، وكان قرارهم صائبا. لكن بعد ذلك، أعلنت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل أن مثل هذا الدعم سوف يمنح فقط من قبل كل دولة أوروبية على حدة، وليس من قبل الاتحاد الأوروبي.
وهل هذا قوض مفهوم الرد الأوروبي القوي على الأزمة؟ هل هذه هي الغلطة الكبرى؟
- ان تصريح ميركل هو أصل أزمة اليورو، بتقويضه الرؤية وراء قيام الاتحاد الأوروبي وقوامها حماية اليورو بالجهود المشتركة للاتحاد الأوروبي.
أين ستقف الأزمة؟ حتى فرنسا الآن تبدو أنها مهددة بانهيار مالي؟
بالطبع إنها تنتشر، فالأسواق تخشى عدم اليقين، ويتعين على ألمانيا أن تدرك أنه لا يوجد بديل لديها إلا حماية اليورو. وكلما طالت المدة للقيام بذلك، زاد الثمن الذي يتوجب أن تدفعه ألمانيا.
انتقدت بشدة كيفية معالجة الحكومات للأزمة. لكن العديد من المواطنين الأوروبيين يلومون المضاربين من أمثالك لمحاولتهم خفض اليورو، وقد قامت بلدان أوروبية أخيرا بفرض حظر مؤقت على البيع على المكشوف والمراهنة على انخفاض سعر السهم.
هناك خلط بين الأسواق والمضاربين، وفي هذه اللحظة، فإن اهم المضاربين هي المصارف المركزية لأنها الشاري والبائع الأكبر للعملات. والأسواق تتوقع من السلطات إنتاج نظام مالي بإمكانه أن يبقى متماسكا، وإذا كانت هناك فجوة في النظام، فإن المضاربين ينفذون منها.
لكن المضاربين يجعلون أي أزمة أسوأ مما هي عليه، انظر إلى سوق مقايضة العجز الائتماني حيث بإمكان المضاربين الرهان على المزيد من الانخفاض في العملات والاقتصادات؟
ما تقوله صحيح، إن سوق مبادلة العجز الائتماني هي أداة شديدة الخطورة، وأعتقد أنه لا يجب أن يسمح بها.
هل تعتقد أن المصرف المركزي الأوروبي هو جزء من حل لأزمة اليورو أم مشكلة ؟
انه جزء من حل، لكن المصرف المركزي يفترض أن يكون مسؤولا فقط عن السيولة، والملاءة المالية هي من اختصاص الخزانة. لكن لأنه لا توجد خزانة أوروبية فقد تم دفع المصرف المركزي الأوروبي إلى الميدان، وفي سبيل إبقاء النظام المالي حيا، فقد تمادى المصرف المركزي كثيرا، كما أشار إلى ذلك رئيس البوندسبنك الألماني، أكسل وبر، من خلال شراء السندات الحكومية لدولة كانت مفلسة بوضوح كاليونان.
مصير اليونان
تحدث رجل الأعمال الأميركي البارز جورج سوروس عن رؤية اقتصاديين كثر لا سيما في ألمانيا في وجوب أن تكون اليونان خارج الاتحاد الأوروبي. فقال إن أوروبا واليورو والنظام المالي قادرة على الصمود حتى لو غادرت اليونان أو البرتغال، ومن يبقى سيكون يكون أقوى وتسهل إدارته. لكنه طالب السلطات المالية أن تدير عملية خروج منظم من اليورو، في سبيل أن ينجو النظام المصرفي الأوروبي. وهذا سيكلف أموالا لأن النظام المصرفي الأوروبي يجب أن يعوض عن خسائره، كما سيحتاج أصحاب الودائع في المصارف اليونانية إلى حماية أيضا، وإلا فلن يشعر أصحاب الودائع في المصارف الايرلندية والإيطالية بالأمان.
