يحب الأميركيون الاعتقاد أن الثورات عبارة عن مسرحيات من فصل واحد. هكذا انتفض المستوطنون الأميركيون تاريخياً ضد البريطانيين، وهزموهم في النهاية في معركة يوركتاون وفازوا بالحرية للجميع. لكن في الحقيقة، كان الأمر أكثر تعقيدا من ذلك، ومستقبل أميركا لم يكن أكيدا على الإطلاق في الفترة التي تلت النصر.

وقد كافح جورج واشنطن لمنع جيش المستعمرات من الانتفاض، بعد ان رفض الكونغرس زيادة الضرائب لتلبية التزاماته المتعلقة بالأجور والمعاشات. ومضى 80 عاما قبل ان تبدأ بركات الحرية بالتمدد للوصول إلى الملايين في أميركا الذين كانوا يعيشون في ظل العبودية.

واليوم أيضا، فإن مصير الثورة المصرية غير أكيد، وهناك رغبة في الاعتقاد بأن المسرحية وصلت إلى نهايتها السعيدة باستقالة الرئيس المصري السابق حسني مبارك، في مواجهة المظاهرات واسعة الانتشار، لكن في الواقع الصراع لم يصل إلى خواتيمه بعد.

فقد حل العسكريون محل مبارك، وتسلمت لجنة من قادة الجيش مكانه، وهذه المجموعة العسكرية احتفظت بقوة بنية نظام مبارك، وشكلت محاكم عسكرية سرية أصدرت أحكاما بالسجن مطولة ضد مدونين مدنيين ونشطاء آخرين، وذلك بتهم منها توجيه انتقادات ضد الجيش. وإلى اليوم تستمر الشرطة، بحسب منظمة العفو الدولية، باعتقال المتظاهرين المسالمين وتعذيبهم.

وقد تم تحديد موعد للانتخابات المقبلة، لكن من دون دستور ديمقراطي أو قانون انتخابي جدير بالثقة، ومن غير الواضح مدى الحرية التي ستكون عليها الانتخابات المقبلة. وعلى الرغم من تاريخ مصر في الانتخابات المزورة، فإن القادة العسكريين يرفضون إلى الآن السماح بوجود مراقبين دوليين للانتخابات.

وقد حددوا، في سعيهم لإقامة تحالف واضح للعيان مع جماعة "الإخوان المسلمين"، موعدا للانتخابات يلي مباشرة شهر رمضان، وهذه الحيلة منعت الأحزاب العلمانية من إجراء حملاتها الانتخابية في حين أعطت الإسلاميين جمهورا واسعا، كما اعترفوا على وجه السرعة بالأحزاب الإسلامية، وأوقفوا التسجيل أمام الأحزاب العلمانية.

وبعد خروج مئات الألوف من المتظاهرين إلى ميدان التحرير في القاهرة، موقع انطلاقة الثورة، للاحتجاج، تم تأجيل موعد الانتخابات قليلا. لكن الجيش سمح بشكل مستمر لبلطجية مدججين بالسلاح بالتحرك عبر صفوفه للهجوم على دعاة الديمقراطية المسالمين بل وقتلهم أحيانا. وأخيرا، اجتاح الجيش نفسه ميدان التحرير، مستخدما أساليب الضرب والاعتقال ضد المتظاهرين، منهياً الاحتجاج بالقوة.

وسوف تكون الأشهر المقبلة أوقاتا حساسة في تحديد مصير مصر، ومن المفيد الأخذ بالاعتبار دروس الثورة الأميركية، في الوقت الذي تدرس أميركا كيفية مساعدة قضية الديمقراطية في مصر. والأميركيون يميلون إلى نسيان الدور الرئيسي الذي لعبه الدعم الخارجي في ثورتهم، فمن دون تأييد لافاييت، وروكامبو وإعاقة الأسطول الفرنسي للتعزيزات البريطانية، لانتهت معركة يوركتاون بشكل مختلف كليا.

الدور الأميركي في مصر ليس مباشرا، كما كان دور فرنسا في الثورة الفرنسية، لكن أميركا لديها القدرة على التأثير في كيفية معاملة المجموعة العسكرية المصرية للمتظاهرين المسالمين. فأميركا تعطي سنويا اكثر من مليار دولار من المساعدات العسكرية إلى مصر، وهناك مئات الملايين الأخرى في صورة التزامات أميركية لمصر منذ سقوط مبارك.

ولا تستطيع أميركا السماح للقادة المصريين بالاختباء وراء هذا الدعم الأميركي. وفي بعض البلدان في المنطقة، استخدم جنود النظام أسلحة "مصنوعة في الولايات المتحدة" ضد المتظاهرين بشكل مدبر. وقال احد الناشطين في مجال الديمقراطية في المنطقة إن الشرطة السرية شغلت جهاز تسجيل لخطاب الرئيس الأميركي باراك أوباما في جامعة القاهرة ،في الوقت الذي كان يجري تعذيبه، للتشديد على أن الاحاديث الأميركية عن الحرية وحقوق الإنسان هي أحاديث فارغة وجوفاء.

وحتى اليوم، صبت تحركات الولايات المتحدة لصالح الأنظمة القمعية الساعية للبقاء في السلطة. وكان نائب الرئيس الأميركي، جو بايدن، يصر على القول إن مبارك ليس دكتاتوراً، مضعفا ومحبطا المصريين الشجعان، فيما هم يخاطرون بحياتهم في سبيل الديمقراطية.

أما وسائل الإعلام العربية فلقد هزأت من سياسة إدارة أوباما التي تصف نفسها بأنها تمارس "القيادة من الخلف"، وهذا التعبير الذي يأتي من القوة العظمى الوحيدة في العالم تنقصه المصداقية، في ظل مواقف أميركا المترددة حيال دعم الديمقراطية في العالم العربي.

والقمع الوحشي في ميدان التحرير جاء في أعقاب زيارة قام بها وفد رفيع المستوى من قادة العسكر المصريين إلى واشنطن لمناقشة مستقبل المساعدات العسكرية الأميركية. وكانت ضمانات بتمويل أميركي مستمر في الماضي أيضا قد تبعها قمع وحشي، على سبيل المثال، في عامي 2005 و2006، اعتقل نظام مبارك ألوف الناشطين من الحركة الديمقراطية في الأسابيع التي تلت قيام المسؤولين في البيت الأبيض بتجاهل مخاوف حول سجل مصر في مجال حقوق النسان.