وعد الاتحاد الأوروبي، في أعقاب رحيل الرئيس المصري السابق حسني مبارك، بأن تحل محل روابطه الوثيقة مع الدكتاتوريين العرب، شراكة جديدة من أجل الديمقراطية، وسيقوم الاتحاد بتقديم المزيد من الأموال وإمكانية الوصول إلى الأسواق والمرونة، لدعم مسار الإصلاح السياسي في مصر. لكن المصريين يتظاهرون الآن خارج مقر المفوضية الأوروبية في القاهرة، ولم يمض نصف عام على ذلك، في ظل مخاطر تدور حول إمكانية أن تكون الشراكة التي جرى التحدث عنها كثيرا في غمار الخروج عن مسارها.

والسبب ليس انقلابا أو ثورة مضادة، وإنما هو جدل لا مفر منه حول مصنع لإنتاج الحلبة المصرية. وهذا الجدل الذي يتخمر الآن، هناك خطر من أن ينفجر، بسبب مزيج سام من التكنوقراطية الأوروبية والمشاعر القومية المصرية.

وخلفية الأمر تعود إلى يوم 5 يوليو الماضي عندما قامت هيئة سلامة الغذاء الأوروبية بحظر استيراد بذور الحلبة المصرية، بعد التعرف أخيرا على ما يربط بكتريا إي كولاي في شمال ألمانيا وبوردو بالبذور المصرية المستوردة. وقد كان مفتشو الغذاء الأوروبيين مرتاحين لإيجاد مصدر واحد يربط بين حالات انتشار المرض، واكثر سعادة لأن هذا المصدر من خارج الاتحاد الأوروبي. وبمواجهة تهديد صحي أودى بحياة 48 شخصا على الأقل، منع مسؤولو الاتحاد استيراد بذور الحلبة، ليس هذا فحسب، وإنما أيضا أنواع أخرى من الفاصوليا، حتى 31 أكتوبر المقبل.

والمشكلة الوحيدة في هذا القرار أنه لم يأخذ في الحسبان أولويات السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي أو رد فعل مصر ما بعد الثورة.

بعد أقل من أسبوع من قيام رئيس المفوضية الأوروبية، خوسيه مانويل باروسو، بلقاء نشطاء في ميدان التحرير في القاهرة متعهدا دعم تطلعاتهم، فإن بعضا من هؤلاء ساعد في تنظيم الاحتجاجات أمام المفوضية. وما جعل الأمور تمضي باتجاه سيء هو المشاعر القومية للحكومة المصرية ما بعد الثورة والساعية إلى التشديد على استقلال مصر.

وكان الاتحاد الأوروبي ينظر في طريقة لطمأنة مفتشي سلامة الغذاء الأوروبية بأن الصادرات المصرية آمنة وأنه بالإمكان رفع الحظر، وذلك بإرسال بعثة تفتيش من مكتب الغذاء والغذاء ذي المنشأ الحيواني إلى مصر، وهذا التفتيش هو أساسي لإعادة تقييم الحظر المفروض.

لكن، الحكومة المصرية المعادية بشدة لأي منظور لتدخل خارجي رفضت السماح للفريق بدخول البلاد، وفرضت عوائق بيروقراطية، وعلى الرغم من ذلك، يبقى الاتحاد الأوروبي على استعداد لإرسال فريق تفتيش.

هكذا تهاوى عرض الاتحاد الأوروبي للشراكة تحت ثقل التكنوقراطية الأوروبية والمواقف المصرية، وإذا أراد الاتحاد الأوروبي إنقاذ سمعته ومساعدة المزارعين المصريين، فإنه يتعين عليه ان يتحرك بسرعة.

ويتعين على الاتحاد الأوروبي الإعلان فورا عن إنشاء صندوق ب 5 ملايين جنيه لمساعدة المزارعين المصريين تنظيف تقنيات الإنتاج لديهم، حتى لو كانت المفوضية الأوروبية تشعر بالقلق من أن يشكل ذلك سابقة لبرامج تعويضات. وهذا مبلغ يستحق أن يدفع كي لا يجري تقويض العرض الأكبر لأوروبا الخاص بالمساعدات، وبالعلاقة مع مصر ما بعد الثورة. كذلك يتعين على المفوضية الأوروبية تضييق نطاق الحظر ليغطي فقط البذور المصابة.

وعلى المدى الأبعد، يحتاج الاتحاد الأوروبي لدراسة طرق اكثر إبداعا لدعم الاستثمار الأوروبي في مصر وتشجيع الصادرات من خلال تأمين الشركات الأوروبية ضد أي مخاطر سياسية. ويتعين على الاتحاد الأوروبي أيضا إيجاد نظام إنذار مبكر يجعل الآلة الدبلوماسية في موقع افضل لمنع القرارات التقنية من تقويض أولويات الاتحاد على صعيد سياسته الخارجية الأوسع.

والحكومات الأوروبية تريد مساعدة مصر في الانتقال بنجاح إلى الديمقراطية، وفي المقابل، فإن العديد في القاهرة يريدون هذه المساعدة. لكن يقف ضدهم حلف طارئ من بيروقراطيي معاهدة لشبونة الأوروبيين، والقوميين المصريين ما بعد مبارك.

ولضمان ان يكون للاتحاد الأوروبي ومصر القدرة على البدء بنوع من الشراكة على ضفتي المتوسط، فإنه ينبغي نزع فتيل الأزمة قبل ان تصبح عصية على الإصلاح.