منعت الشرطة الهندية الناشط في مجال محاربة الفساد أنا هازاري من القيام باحتجاجات في شوارع نيودلهي أخيرا، واعتقلته ووضعت 2600 من مؤيديه رهن الاحتجاز لبضع ساعات. ثم اطلقت سراحه بعد السماح له بالبدء بإضراب عن الطعام لمدة 15 يوما. والضجيج حول قضية هازاري دفعت النخبة الهندية للتحدث عن أزمة دستورية تواجه البلاد، لكن القضية الحقيقية وراء هذا الانهزام هو ما نراه من نقص في الإرادة والتوجه لدى الحكومة.
ويجري مؤيدو هازاري مقارنات بقانون الطوارئ لعام 1975، عندما قامت رئيسة الوزراء إنديرا غاندي بتعليق الحريات المدنية التي يضمنها الدستور. لكن اليوم إذا كان من احد يريد تقويض الدستور الهندي، فإنه هازاري نفسه. فهو يطالب من البرلمان إيجاد منصب غير منتخب لمراقب برلماني على الهيئات التشريعية، على أن يختاره فريق من الوجهاء، وبصلاحيات واسعة لتعنيف أي مسؤول حكومي يتهم بالكسب غير المشروع.
وكانت بلدان أخرى قد استفادت من هيئات خاصة بموضوع الفساد، لكنها كانت دوما تخضع للمساءلة السياسية بطريقة من الطرق. لكن هازاري يريد القفز على عمل بناء المؤسسات الشاق، ووضع السلطة المطلقة في يد شخص ما. والهند وقعت في هذه الفوضى من الفساد أصلاً لأنها منحت سلطات واسعة لمسؤولين حكوميين في المقام الأول، فمن يحرس الحارس الذي يتورط في ملاحقة قانونية حافزها سياسي في الأصل؟
وكان بإمكان رئيس الوزراء مانموهان سينغ تجنب هذه المواجهة لو تعامل بقوة وحزم، عندما كانت سلسلة من فضائح الفساد تتصدر عناوين الصحف السنة الماضية، بما في ذلك خسارة تقريبية مقدارها 40 مليار دولار خلال صفقة بيع مشبوهة بقطاع الاتصالات. وكان غضب الشارع حافزا للمضي قدما في إصلاحات اقتصادية وإدارية تعمل على تقليص سلطة السياسيين والبيروقراطيين.
لكن بدلا من ذلك، وضعت الحكومة بعض الوزراء وراء القضبان وعادت إلى عملها كالمعتاد. فتقدم قادة المجتمع المدني ونصبوا انفسهم لملء الفراغ، وضللوا النقاش. وفي خضم هذه الجلبة، قام هازاري الذي يقول إن المهاتما غاندي ملهمه، بإضراب عن الطعام في أبريل الماضي داعيا إلى مراقب برلماني على الهيئات التشريعية.
وكان يفترض بالحكومة ان ترفض وتمانع هذه الفكرة لرجل محاكم التفتيش هذا بثياب غاندي فورا، لكنها استسلمت لابتزازاته، لكنها فيما بعد على الأقل كان لديها الحس السليم في الإصرار على إعفاء رئيس الوزراء من قضية المراقب البرلماني.
ومثل هذه التسويات أغضبت هازاري الذي سعى إلى الاحتجاج في نيودلهي مجددا، وكانت الشرطة قد منعته من الاحتجاج بجملة من الضوابط التنظيمية، قبل ان تتمكن منظمته غير الحكومية من الحصول على تصريح، ورفض قبول شروط الشرطة المتعلقة بحجم الاحتجاج ومدته. وفي هذه الأثناء، سمح رئيس الوزراء سينغ لمعارضيه بتحويل النقاش عن هدفه الأصلي ليطال الحق في التظاهر، في حين القضية الحقيقية كان يفترض ان تكون تكتيكات هازاري الديماغوجية.
إن حل الخلافات في ظل نظام سياسي مفتوح كالهند يجري من خلال صناديق الاقتراع، لكن هازاري يصر على طرح القضية بالقوة من خلال التهديد بالإضراب عن الطعام. وقد دعا في اليوم الذي تلا احتفال البلاد بعيد الاستقلال الـ64، إلى "نضال ثان للحرية"، وكرر دعوته أخيرا بقيادة مظاهرة في نيودلهي بعد خروجه من السجن.
ولا يفترض بمسؤولين منتخبين ديمقراطيا الانحناء أمام غرائبيات هازاري ذات الطراز القديم، وبمعزل عما يقوله هازاري، فإن رئيس الوزراء الهندي مانموهان سينغ بإمكانه اقتراح برنامج يحارب الفساد و في الوقت نفسه يلتزم بالدستور الهندي. وهذه تعتبر الطريقة الفضلى لإيقاف انزلاق البلاد إلى الفوضى.
