يمكن القول إن الماويين ومؤيدي مشروع قانون مكافحة الفساد في الهند يجمعهما قاسم مشترك، وإن اختلفت الأساليب التي يعتمدانها كليا، فهما يسعيان للإطاحة بالدولة الهندية، أحدهما يعمل من القاعدة صعودا إلى القمة، بوسائل الصراع المسلح وبجيش كبير يتكون من الشرائح الأفقر في المجتمع.

والآخر من القمة إلى القاعدة، بوسائل غاندي السلمية وبجيش من سكان المدن الذين يتمتعون بأوضاع معيشية افضل. في أبريل 2011، وبعد أيام معدودة من محاولة الناشط الهندي أنا هازاري الأولى "الإضراب عن الطعام حتى الموت" دعت الحكومة الهندية.

وفي محاولة لتشتيت الانتباه عن فضائح فساد هائلة كانت تطيح بمصداقيتها، "فريق أنا" وهو الاسم الذي اختارته هذه المجموعة من "المجتمع المدني" لنفسها، للمشاركة في لجنة مشتركة لوضع قانون محاربة الفساد، ثم ما لبثت، بعد اشهر قليلة، أن تخلت عن الموضوع، وطرحت قانونها الخاص المليء بشتى النواقص على البرلمان.

ثم في صباح 16 أغسطس، وقبل ان يعلن أنا هازاري إضرابه عن الطعام، قامت الشرطة باعتقاله وسجنه، فتحول الصراع حول تطبيق قانون الفساد إلى صراع حول حق التظاهر والديمقراطية، وفي غضون ساعات افرج عنه، لكنه رفض الخروج من السجن، وبقي في سجن "تيهار" كضيف شرف، بادئا إضرابا عن الطعام. وعلى مدى ثلاثة أيام، كانت الحشود وشاحنات التلفزة تحتشد خارج السجن، فيما "فريق أنا" يحمل رسائله عبر الفيديو لبثها على جميع اقنيه التلفزة في الهند، ومن غير أنا هازاري يمنح هذا الترف!!

وفي الوقت الذي تبدو وسائل هازاري غاندية، فإن مطالبه ليست كذلك بالتأكيد. وعلى نقيض أفكار غاندي حول مركزية السلطة، فإن مشروع قانون مكافحة الفساد يعد قانونا صارما ويشكل أداة قمع ضد الجميع، من رئيس الوزراء إلى القضاة وأعضاء البرلمان ومجمل البنية البيروقراطية، حتى أصغر مسؤول حكومي. ولمشروع القانون المقترح سلطة التحقيق والرقابة والمقاضاة، ويعمل كإدارة مستقلة ضد الإدارة المضخمة الفاسدة غير الخاضعة للمساءلة القائمة حاليا، وبهذا المعنى، سيوجد أوليغارشيتين بدلا من واحدة.

ويعتمد نجاح هذا القانون من عدمه، على كيفية نظرتنا إلى الفساد في الهند. فهل الفساد مجرد قضية قانونية تتعلق بالرشاوى والمخالفات المالية، أم أنها عملة للتبادل الاجتماعي، في ظل مجتمع يفتقر إلى المساواة بشكل فاضح؟ وهل حل مشكلات الناس العاديين يتطلب التعامل مع واقع عدم المساواة البنيوي، أم من خلال إيجاد بنية سلطة جديدة تشكل عبئا إضافيا على الناس؟

وفي تلك الأثناء، كانت أشكال التعبير والوطنية الجارفة والتلويح بالأعلام، كلها أشكال مستعارة من احتجاجات الحركة المعادية لنظام الطبقات في الهند، ومواكب الفوز بكأس العالم، واحتفالات الاختبارات النووية. أما قنوات التلفزة التي تبث على مدار الساعة، فقد قررت انه لا يوجد أي أخبار أخرى في البلاد تستحق المتابعة.

"والإضراب عن الطعام" بالطبع ليست له علاقة بإضراب "أيروم شارميلا" عن الطعام، الذي استمر طويلا ضد قانون القوات المسلحة الذي يجيز للجنود في ولاية مانيبور القتل بمجرد الاشتباه، أو الإضراب عن الطعام الجاري حاليا من قبل عشرة آلاف مزارع ضد مصنع كودانكولام النووي.

وكلمة "الشعب" لا تعني أولئك الذين يدعمون إضراب ايروم شارميلا عن الطعام، أو الألوف ممن يواجهون الشرطة المسلحة أو مافيات المناجم، أو ضحايا تسرب الغاز في بوبال أو المهجرين بسبب السدود في وادي نرمادا، أو مزارعين يقاومون محاولة الاستيلاء على الأرض. كلمة "الشعب" تعني الجمهور الذي اجتمع لمشاهدة عرض هازاري البالغ من العمر 74 عاما، وهو يهدد بتجويع نفسه حتى الموت، إذا لم يمرر البرلمان قانونه لمكافحة الفساد.

فمن يكون هذا الرجل الذي لم نسمعه يتفوه بكلمة واحدة عن انتحار المزارعين أو العملية شبه العسكرية التي تشنها الحكومة على المتمردين الماويين، أو الصراع في سنجور وغيرها، أو احتجاجات المزارعين أو فساد المناطق الاقتصادية الخاصة، وخطط الحكومة نشر الجيش الهندي في غابات الهند الوسطى؟

إنه يدعم راج ثاكاراي ماراتي مانوس وخوفه من الأجانب، ولقد مدح "النموذج التنموي" لرئيس الوزراء في ولاية جوجارات، التي شهدت مذبحة ضد المسلمين في 2002، قبل أن يسحب تصريحه بعد صيحات غضب من الجمهور.

وللرجل علاقة قديمة مع منظمة التطوع القومي أو المنظمة الوطنية القومية. أما هذه الحملة ضد الفساد، فتقودها مجموعة تدير منظمات غير حكومية ممولة من مانحين مثل شركة "كوكا كولا" وبنك "ليمان بروزر"، ومؤسسة فورد. كذلك، يساهم في حملة "الهند ضد الفساد " شركات هندية ومؤسسات تمتلك مصانع الومنيوم وتبني موانئ ومناطق اقتصادية خاصة، وتدير عقارات وعلى صلة وثيقة بسياسيين يديرون إمبراطوريات مالية، وبعضهم يجري التحقيق معهم بتهم فساد وجرائم أخرى، فلماذا جميعهم متحمسون للقانون؟

والان ، بالصراخ عاليا وقيادة حملة ضد السياسيين والفساد الحكومي، يجري التملص من الورطة بذكاء. والأسوأ من ذلك، إنه من خلال إظهار الحكومة باعتبارها الشيطان الأعظم، تحولت الحملة إلى منبر للوعظ يحرض على المزيد من انسحاب الدولة من الحياة العامة ولموجة جديدة من الإصلاحات، تؤدي إلى المزيد من الخصخصة والنفاذ إلى البنية التحتية للهند ومواردها الطبيعية، والحال أنه لن يمضي زمن طويل قبل ان يصبح فساد الشركات عملا مشروعاً.

فهل يستفيد الـ830 مليون هندي الذين يعيشون على 20 روبية في اليوم من تقوية مجموعة سياسات تعمل على إفقارهم يوميا وتقود البلاد إلى حرب أهلية؟

ان هذه الأزمة الفظيعة المفتعلة هي نتاج الفشل الكامل للديمقراطية الهندية، والهند اليوم في ظل حرب من اجل الهيمنة، وهي حرب قاتلة كأي معركة أخرى يشنها قادة الحرب في أفغانستان، لكن بمخاطر أكبر بكثير.