بعد أن وعد العقيد معمر القذافي بقتال شرس بادر إلى الاختفاء. أليس هذا هو على وجه الدقة ما فعله الرئيس العراقي السابق صدام حسين؟ وبالطبع عندما اختفى صدام حسين وتكبدت القوات الأميركية في العراق أولى خسائرها على يد المسلحين العراقيين في 2003، قيل لنا على لسان بول بريمر والجنرالات والدبلوماسيين و"الخبراء" المطلين عبر شاشات الفضائيات إن هؤلاء المقاتلين هم من تسيطر عليهم الأوهام، والذين لن يدركوا أن الحرب قد انتهت. والسؤال الآن هو متى يطل على الساحة الليبية موهومون من النوع نفسه؟

غني عن القول إن الأمور تجري على ما يرام في ليبيا بقدر ما يتعلق الأمر بالغرب، وفي الوقت الحالي فإنه ما من أحد يعلن حل الجيش الليبي وما من أحد يصدر أمراً بحظر قيام القذافيين بأي دور في مستقبل بلادهم، ما من أحد سوف يرتكب الأخطاء نفسها التي وقع فيها الغرب في العراق، ولن يكون هناك أحد من أشباح المنطقة الخضراء المسورة والمحروسة جيداً يدير مستقبل ليبيا، حيث أصبحت عبارة "الأمر يتوقف على الليبيين بمثابة النغمة المرحة التي يرددها كل المسؤولين في الخارجية الأميركية والخارجية البريطانية والخارجية الفرنسية.

ولكن بالطبع فإن الوجود المكثف للدبلوماسيين وممثلي شركات النفط والمرتزقة الغربيين الذين يتظاهرون جميعاً بأنهم مستشارون وليسوا فاعلين في قلب الأحداث- هذا الوجود يعد بمثابة المنطقة الخضراء في بنغازي، وحتى الآن ليست هناك أسوار تحيط بهم، ولكنهم بالفعل يحكمون ليبيا من خلال الأبطال الليبيين المختلفين الذين طرحوا أنفسهم باعتبارهم السياسيين المحليين البارزين، ويمكننا أن نتجاهل أنه ما من أحد يأتي على ذكر عبدالفتاح يونس على الرغم من أنه تمت تصفيته في بنغازي قبل أسابيع قلائل.

إن هذه الحرب بالطبع ليست مثل الغزو الغربي البشع للعراق وإلقاء القبض على صدام حسين لم يسفر إلا عن مزيد من الهجمات على القوات الغربية، لأن من خشوا الانضمام إلى المقاومة تحسباً لقيام الأميركيين بإعادة صدام إلى الواجهة في العراق لم تعد لديهم مثل هذه المخاوف، ولكن حسم مصير القذافي وابنه سيف الإسلام لا شك في أنه سيضع نهاية للعمل المسلح من جانب أنصار القذافي، وفي الوقت الحالي فإن أكثر ما يخشاه الغرب هو انقلاب الأمور رأساً على عقب.

سرت، التي بدأ فيها القذافي حكمه الدكتاتوري وحول حقول النفط الليبية إلى ساحة للتسابق على الانقسام من جانب المستثمرين الغربيين بعد ثورة 1969، ليست هي تكريت العراق، وإنما هي المدينة التي شهدت أول مؤتمر كبير عقده الاتحاد الإفريقي، وهي لا تبعد كثيراً عن مسقط رأسه، وهي المدينة التي استفادت إلى حد كبير من حكمه الذي استمر 41 عاماً، وقد وصف الجغرافي الإغريقي الشهير سترابور كيف أن نقاط التجمعات السكانية الواقعة إلى الجنوب من سرت قد أحالت ليبيا إلى ما يشبه جلد الفهد، ولا بد أن القذافي قد أحب هذا التشبيه.

وفي سرت أيضاً فإن أنصار القذافي الذين هزمهم الثوار في هذه الحرب الأهلية التي استمرت 6 أشهر، سيتعين علينا بلا شك أن نغير الأوصاف والألقاب التي أطلقها الغرب على هذه المجموعة أو تلك في الساحة الليبية، حيث قد نطلق على مؤيدي المجلس الوطني الانتقالي الليبي لقب "الموالون"، على حين يوصف أنصار القذافي بأنهم "إرهابيون" قد يهاجمون الحكومة الليبية حديثة التشكيل.

ولكن الطبيعة غير القابلة للتناقض في الحرب الليبية تعني أن الكلمات نادراً ما تصمد لتعيش مرحلة ما بعد كتابتها، وربما اعتقد الكثير من المراقبين أن القذافي، قبل أن يدخل غياهب التاريخ وتسدل عليه ستائر النسيان، كان مختبئاً في نفق تحت فندق ريكسوس، أو كان مسترخياً في إحدى فيلات روبرت موغابي. أياً كان الأمر فإن ما يعنينا هو ألا تندلع حرب جديدة بعد حرب الأشهر الستة.

 

أوصاف القذافي

 

ما الذي كان القذافي يفكر فيه خلال لحظاته الأخيرة؟ ربما يغلب الاعتقاد علينا بأنه كان يائساً، ولكن هل كان الأمر كذلك حقاً؟ لقد اختار الغرب العديد من الأوصاف في الماضي ليطلقه على القذافي ومنها أنه غريب الأطوار، مختل، معتوه، ممسوس، لا يكل ولا يهدأ، محيّر، رجل دولة (كان هذا هو التوصيف الذي أطلقه عليه جاك سترو)، مجنون، مخبول، وأخيراً طاغية، قاتل، متوحش. ولكنه بالطريقة العجيبة والغريبة لعالم ليبيا ربما صرف كل طاقاته على الفوز بالنجاة ومواصلة الحياة ليطلق العنان لصراع مدني قبلي، وبالتالي يغرق أصدقاء الغرب الجدد من الليبيين في مستنقع لا ينتهي من حرب العصابات، ويطيح بمصداقية السلطة الانتقالية الجديدة.

أياً كان الأمر فإن سرت، التي يتفاوض سكانها بحسب افتراض الغرب مع أعداء القذافي، قد تكون في المستقبل القريب من أكثر مدن ليبيا إثارة للاهتمام.