عندما التقيت العقيد معمر القذافي للمرة الأولى في الأول من أكتوبر 1971، عندما كان هو ووفد من قيادة الثورة الليبية قد جاءوا إلى القاهرة لتقديم واجب العزاء في الزعيم المصري الراحل جمال عبد الناصر، كان انطباعي الأول أن المشهد الذي قدمه هو مجرد عرض مسرحي أعد لجمهور التلفزيون، والانطباعات الأولى ليست دائما صحيحة على الأقل في عالم الصحافة، غير أنه في حالة القذافي كان انطباعي الأول عنه أنه ممثل محبط، وقد تعزز هذا الانطباع من خلال العديد من اللقاءات على مدى العقود التي أعقبت ذلك.

وغني عن القول أن القذافي الذي أصبح الآن في ذمة التاريخ بعد اجتياح الثوار الليبيين للعاصمة الليبية طرابلس، قد وضع نفسه في موضع القائد الذي لم ينتخبه أحد ، والذي لا يسائله أحد، والذي اتسمت سلطته بأنها بلا حدود، حيث كان يهتف بكلمة خلصنا، وعندئذ يؤخذ أي شخص لم يعجبه إلى الصحراء، وتطلق عليه النار، ويدفن في موقع مجهول.

 

المنبع الحقيقي

غير أن المنبع الحقيقي لسلطة القذافي كان متمثلا في المال الناتج من صادرات النفط، فعلى امتداد 3 قرون تقريبا كانت ليبيا أكبر مصدر للنفط في إفريقيا ، وعلى امتداد 4 عقود من الحكم المطلق كان القذافي يتلاعب بحوالي تريليون دولار ، وقد أنفق جانبا كبيرا من هذا المبلغ في شراء الأسلحة بصفة رئيسية من الاتحاد السوفييتي وفرنسا، وانتهى بتكديس أكبر ترسانة أسلحة حديثة في المغرب العربي .

وأنفق مبالغ طائلة على مجموعات متطرفة، ابتداء من الجيش الجمهوري الأيرلندي، وليس انتهاء بجماعة الدرب المضيء في بيرو، مرورا بمجموعات ماركسية عديدة في أنغولا وموزمبيق وجنوب إفريقيا. وحينما كان الزعماء الأفارقة يفتقرون إلى المال لزيادة أرصدتهم المصرفية السويسرية ، كانوا ينطلقون إليه حاملين وعودا بجعله رئيسا للولايات المتحدة الإفريقية.

واستقطب دفتر شيكات القذافي بعض الشخصيات الأوروبية والأميركية والعربية. وكتب بيير سلنغا السكرتير الصحافي للرئيس الأميركي الأسبق جون كيندي مقدمة بالطبعة الإنجليزية لمجموعة قصص للقذافي حياه فيها باعتباره كاتبا مهما وأقنع الإيطاليون القذافي بأنه مصمم عظيم، وجعلوه ينفق ثروة على السيارات الرياضية لينافس شركة فيراري ، ولم يتم إنتاج السيارات المزعومة قط، لكن الإيطاليين ربحوا مبالغ طائلة في غضون ذلك. وقائمة الكتاب العرب الذين تربحوا من القذافي تطول وتمتد، ومع ذلك فإن الليبيين عاشوا في عهد القذافي في فقر مدقع ، ولقد رأيت في مالطا ليبيين يتسولون في الشوارع .

 

حقيقة أساسية

وبغض النظر عن سلسلة التكهنات التي دارت حول مصير القذافي مع دخول الثوار إلى طرابلس ، فإن الحقيقة الأساسية أن كل ما يتعلق به لم تعد له أهمية تذكر من الناحية السياسية، وكان الأمر كذلك منذ بعض الوقت. والأمر المهم الآن هو مستقبل ليبيا، ويتعين أن نتذكر أن حلف ناتو قد تدخل باسم الأمم المتحدة في ليبيا، لينجز مهمة محددة هي حماية المدنيين الليبيين.

هذه المهمة لا تزال قائمة حيث أن المدنيين الليبيين، وبصفة خاصة في المدن الكبرى، لا يزالون يواجهون تهديدات خطيرة من المجموعات المسلحة المتصارعة التي ستبدأ الآن في التنافس على السلطة.

يتعين على ناتو التأكد من أنه ما من جانب من الأموال الليبية المجمدة سيستخدم لشراء وتوزيع الأسلحة على الجيوش الخاصة، ومن المهم أيضا وقف تقسيم صناعة النفط الليبية داخل النظام شبه الإقطاعي القائم في ليبيا. مطالب ل »ناتو»

 

يتعين على ناتو الاحتفاظ بوجود بحري في المياه الليبية لبعض الوقت لمنع تهريب النفط والسلاح ، وستكون الحاجة ماسة لإمكانيات الحلف لمراقبة التحركات على امتداد الحدود الليبية الشاسعة ومنع الجماعات الإرهابية من التسلل إليها لتخريب التقدم نحو الديمقراطية. يتعين على ناتو أيضا أن يتصدى للأطراف المعنية في دعوة المجلس الوطني الانتقالي لتمهيد الطريق إلى المسيرة الليبية نحو المستقبل، وينبغي أن يشمل هذا تشكيل مجموعة استشارية لصياغة دستور جديد.

وتحديد موعد لإجراء استفتاء على مسودة الدستور، وموعد لإجراء انتخابات عامة. إن ليبيا تتمتع بالموارد الطبيعية والاقتصادية والبشرية التي تكفل لها أن تكون قصة نجاح متألقة بالنسبة للحركة المناصرة للديمقراطية التي تعيد تشكيل العالم العربي في الوقت الراهن، ويتعين على الديمقراطية الغربية أن تواصل التأكيد على إمكانية حدوث ذلك، وعدم تحوله إلى سراب يضلل العيون في الصحراء الليبية.