مضت سبع سنوات منذ أن تم الكشف عن الانتهاكات الفظيعة التي اقترفها جنود أميركيون ضد معتقلي سجن أبو غريب. وخلال تلك الفترة، كان قد أدين تسعة جنود في المحاكم الأميركية لعلاقتهم بتلك الانتهاكات، وتلقى عدد منهم أحكاما مطولة بالسجن.

وكان الجيش الأميركي قد سلم زمام السيطرة على سجن أبو غريب إلى الحكومة العراقية في سبتمبر 2006، كما أعلن الرئيس الأميركي باراك أوباما عن إنهاء أميركا "المهام القتالية" في العراق، لكن العراقيين لا زالوا غاضبين، وفي بعض الأحيان حائرين، من الكيفية التي عاقبت بها أميركا مرتكبي الجرائم بحق العراقيين خلال سنوات الحرب الثماني.

وهذه المشاعر تبرز إلى الواجهة كلما برزت تطورات خاصة في التحقيقات والقضايا المنظورة أمام المحاكم. وفي أبريل الماضي، قامت محكمة استئناف فيدرالية في واشنطن بإعادة فتح القضية المرفوعة ضد متعهدين تابعين للشركة الأمنية بلاك ووتر، كانوا قد اتهموا بقتل 17 شخصا بعد إطلاق النار عليهم في ساحة النسور في بغداد عام 2007.

والتهم الموجهة للمتعهدين كانت قد رفضت في عام 2009، مما أذكى مخاوف العراقيين من ألا يجري جلب المتعهدين للمثول أمام العدالة أبدا، لكن بعد إعادة فتح القضية ضدهم، لم يهلل العراقيون للأمر كما كان متوقعاً.

فقد أثارت تطورات في قضية أخرى غضب العراقيين مجددا. وكانت الأخبار في تلك الأثناء، تشير إلى أن احد الجنود المعروف بزعيم عصابة أبو غريب، تشارلز إيه غرينر، قد تم اطلاق سراحه من سجن في كنساس، وغرينر البالغ من العمر 42 عاما كان قد حكم بالسجن 10 سنوات، لكن تم اطلاق سراحه بعد ست سنوات ونصف لحسن سلوكه.

يقول فراس حسن صاحب متجر سجاد في حي الكرادة من بغداد، ردا على أخبار اطلاق سراح الشخصية الرئيسية في فضيحة الانتهاكات في أبو غريب:" ان الحل الوحيد هو في خروج الجيش الأميركي من العراق." ويشكل إطلاق سراح غرينر، برأي عدد من العراقيين، دليلا إضافيا كيف أن أميركا لا تضع مواطنيها رهن المساءلة.

يقول مؤيد قاسم البالغ من العمر 34 عاما من بغداد: "هذه فضيحة للعدالة الأميركية، ولا زلت أذكر جيدا صور السجناء العراقيين العراة، لقد أذلوا العراقيين بطريقة سيئة، وقد ظننت أن الرجل الذي نفذ هذه الأفعال الرهيبة سوف يودع السجن لسنوات طويلة."

ويقول رجل الأعمال خالد محمد، البالغ من العمر 48 عاما، إن اطلاق غرينر يبرهن على أن الأميركيين: "لا يهمهم الدم العراقي الذي أريق، وهذا امر جيد لأنه يظهرهم على حقيقتهم، فيتوقف العراقيون عن تصديقهم، خصوصا أولئك الذين يظنون أن الأميركيين قد قاموا بإنقاذنا".

وتفيد المعلمة منى حبيب الدوري البالغة من العمر 42 عاما من بغداد أنها فوجئت عند سماع الخبر، وتقول: "لماذا اطلقوا سراحه بعد قيامه بهذه الأمور المشينة بحق العراقيين؟ فإذا قامت الجماعات المسلحة بقتل أميركيين في المستقبل، فإني سأؤيدها. لقد خسرت الحكومة الأميركية مصداقيتها في العراق والعالم".

يقول فاضل حسين، البالغ من العمر 35 عاما، وهو ضابط شرطة: "الآن نحتاج إلى وقف الاحتلال الأميركي، في السابق كنت اكره صدام، لكن الآن اكتشفت انه كان محقا بقتاله الأميركيين وكل أعداء العراق."

إذا ما بقى الجنود الأميركيون في العراق، فسوف تقوم وزارة الدفاع الأميركية بالتشديد على تمتعهم بالحصانة ضد أي ملاحقة قانونية، وهي قضية يشعر العراقيون حيالها بمشاعر قوية، بسبب حادثة أبو غريب وغيرها.

تقول ناهدة الدايني، وهي عضو في القائمة العراقية التي تعد أحد الأطراف السياسية الأكثر انفتاحا على إبقاء أميركا على جنود في العراق: "نحن في البرلمان لن نعطي أي جندي أميركي الحصانة لبقائه في العراق بعد هذه السنة، لكي يكون بمقدوره قتل الناس والقيام بما يحلوا له".

ويرى علي أكرم، سائق أجرة في العراق كان قد سمع أخبار اطلاق سراح غرينر عبر الإذاعة، أن إطلاق سراحه يظهر لماذا يتعين على العراقيين مقاتلة أميركا بكل الوسائل الممكنة.

وتقول الخياطة نوارة مؤمن، وعمرها 31 عاما:" أريد ان يتوقف أوباما عن هذه الكوميديا، والرئيسان الأميركيان أوباما وبوش هما المسؤولان عن هذه الكارثة، وتضيف: "أنا اطلب من أوباما القيام بالأمر المناسب ومعاقبة المجرمين لأن القوات الأميركية هي في العراق الآن ولا ندري ماذا سيحصل لها"

وفي المقابل، فقد ألقى بعض العراقيين باللائمة على الحكومة العراقية، يقول حسن، صاحب متجر السجاد: "حكومتنا ضعيفة جدا، ومشغولة بتعيين الوزراء والفساد، لن تتفوه بشيء حول الموضوع، ولن يضع احد أميركا محل المساءلة حيال الأضرار التي جلبتها إلى بلادنا أو للمستقبل المظلم الذي ينتظرنا"

ويرى اللحام حيدر حكمت، البالغ من العمر 40 عاما من بغداد أن أميركا بقرارها هذا قد أوجدت المزيد من الأعداء في العراق.

 

سلسلة من الفظائع

 

بالنسبة للعراقيين، كانت حادثة أبو غريب هي الأولى في سلسلة من الفظائع ارتكبت بحقهم من قبل الأميركيين. فبعد سنة من ظهور حادثة أبو غريب إلى العلن، اتهم مشاة البحرية الأميركية بقتل 42 مدنيا واغتصاب فتاة في مدينة "الحديثة". وبعد سنتين، جرت حادثة بلاك ووتر. ويقول حميد فاضل، أستاذ العلوم السياسية بجامعة بغداد، إن الأميركيين قد برهنوا أكثر من مرة على أنهم لن يسعوا إلى إحقاق العدالة للعراقيين: "قالوا ان القتلى هم أبرياء"، مشيرا إلى قضية بلاك ووتر، وبالتالي حسب رأيه ليس أمرا جديدا أن يطلق الأميركيون سراح السجناء الملطخة أيديهم بدماء عراقية.

لقد جرى اطلاق غرينر من السجن بعد ثلاثة أيام من إعلان الحكومة العراقية التفاوض مع أميركا بشأن إبقاء بعض من القوات الأميركية البالغة 48000 جندي في العراق إلى ما بعد نهاية السنة الحالية.