نقل عن وزير الدفاع الأميركي، ليون بانيتا، قوله بعد مضي أحد عشر يوما على توليه منصبه: "اللعنة عليكم، اتخذوا قراراً"، كان يرغب في أن يتخذ العراقيون قرارهم بسرعة، وتساءل: "هل يريدون منا البقاء أم ماذا؟" وذلك في الوقت الذي كان العراقيون يتلعثمون ويترددون.

والاعتقاد السائد هو أن الرئيس الأميركي باراك أوباما قد اتخذ موقفاً يقضي بإخراج القوات الأميركية في عام 2011، لكن الآن يوجد تلكؤ من جانب العسكريين الأميركيين ومسؤولين آخرين في الإدارة الأميركية، والحجج كثيرة ومتنوعة، يرى بعض المتلكئين أن الانسحاب ممكن ربما بعد بضع سنوات إلى ان تقوى الدولة العراقية وتقوم بوظائفها كاملة، ويرى البعض الآخر أنه يفترض ان لا تدع أميركا كل مكاسبها تذهب هباء بالاندفاع نحو الانسحاب، في حين يرى فريق ثالث أن أميركا لا يمكنها السماح لأي دولة إقليمية بتحويل العراق إلى دولة تدور في فلكها، وغيرها من الحجج.

ويبدو القول إنه يتعين على الولايات المتحدة إبقاء قوات في العراق للتصدي لنفوذ قوى إقليمية قد فات أوانه. كان يتعين على أميركا التفكير بهذا الأمر قبل قيامها بالغزو، لأن هذا النفوذ الإقليمي المشار إليه كان واقعا حاصلا بعد الغزو، ومحاولة إبقاء هذا النفوذ خارج العراق هو كمحاولة إبقاء النفوذ الأميركي خارج كندا.

لكن مثل كندا، فإن العراق سوف يبقى محافظا على استقلاله، والدول ذات النفوذ الإقليمي ستكون مشغولة بمشكلاتها. وكانت هذه قد رأت الجيوش الأميركية تغزو العراق وأفغانستان فذهبت إلى الاعتقاد بأنها مهددة أيضا بعمل عسكري من قبل إدارة بوش.

وعلى الرغم من محاولة الرئيس الأميركي باراك أوباما تخفيف التوترات، فإن اللجوء إلى القوة لا زال مطروحا، لكن عندما يخرج الجيش الأميركي نهائيا من العراق، سوف يجد صانعو القرار في هذه الدول ذات النفوذ الإقليمي حاجة أقل للتصدي للنفوذ الأميركي في العراق وأفغانستان.

والأمر الأكثر أهمية أنه لا يوجد دليل على أن العراقيين يريدون ان يكونوا دمى لقوى إقليمية أو لأميركا. أما الجنود الأميركيون الذي سيبقون لأغراض التدريب فقط، فإنهم قد يكونون أكثر قبولا بنظر العراقيين، لكن يجب ان يكف هؤلاء الجنود عن التورط في أحداث كالغارة الأخيرة العراقية الأميركية المشتركة التي أودت بحياة فتى عمره 13 عاما وشرطي خارج الخدمة.

لقد ذهبت أميركا إلى العراق لأسباب عديدة، وفي احد تصريحاته منذ وصوله إلى منصبه، قال وزير الدفاع الأميركي بانيتا للجنود الأميركيين إن وجودهم في العراق: "يعود لأحداث هجمات الحادي عشر من سبتمبر على أميركا والتي قتل جرائها 3 آلاف شخص بريء على يد تنظيم القاعدة".

وبالطبع، لم تكن هناك أي روابط بين القاعدة والعراق قبل الغزو الأميركي، ولقد اسرع فريق العلاقات العامة التابع لبانيتا إلى محاولة احتواء الضرر وتصحيح ما أراد أن يقوله الوزير الأميركي.

وكان هناك من أعتقد أن الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين لديه أسلحة دمار شامل، ولكن كما قال بول وولفيتز الذائع الصيت كانت هذه الحجة الوحيدة التي يمكن ان يتفق عليها الجميع. وهناك في واشنطن من رأى العراق بدون الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين كصديق محتمل لإسرائيل، وكان هناك آخرون يتوقون للسيطرة على النفط العراقي، وكان هناك الرومانسيون من غير المحافظين الجدد الذي أرادوا تحويل العراق الديمقراطي منارة تنشر الديمقراطية عبر الشرق الأوسط.

لكن أيا من هذه التصورات المشار إليها أعلاه لم يقدر له أن يتحقق على ارض الواقع، وإذا كانت هناك براعم ديمقراطية في العالم العربي اليوم، فإنها ليست نتيجة للغزو الأميركي، بل رغما عن هذا الغزو والاحتلال.

كان هذا درسا قاسيا يتعين استيعابه، لكن العراق والربيع العربي قد برهنا على أن العالم العربي سوف يتخذ قراراته بنفسه حيال الطريقة التي يجب ان يحكم بها من دون أن يقرر عنه ذلك الإمبرياليون الجدد في الغرب.

 

حان وقت الخروج

 

كان الأميركيون يزعجون العراقيين، ويلحون عليهم للبقاء في العراق، لكن الآن بعد أن وافق العراقيون على التفاوض بشأن إبقاء جنود أميركيين، يبدو أن الوقت قد حان للخروج. فالعراق الجديد يظهر على ما هو عليه فعلا بعد حوالي 10 سنوات على الغزو الأميركي، ويتعين على أميركا أن تأخذ التردد العراقي على نحو ما يمثله في الواقع، فبعض العراقيين يريدون بقاء الجنود الأميركيين نتيجة لمخاوف مفهومة بشأن المستقبل، لكن هناك عراقيين آخرين، لا سيما مقتدى الصدر، يعارض بشدة أي إشارة إلى دوام الاحتلال الأميركي للعراق.

وسوف تجري مقاومة أي استمرار لوجود أميركي في العراق، وسيلقى الجنود الأميركيون حتفهم، كما سيتأجل الهدف الأكثر أهمية مجددا بالنسبة للعراقيين، ألا وهو إقامة عراق قادر على اتخاذ قراراته بنفسه.