يحتاج القادة الفلسطينيون إلى أن يكونوا في أي مسار ينهي الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي، على قدم المساواة مع القادة الإسرائيليين، هذا دون ذكر ضرورة تمتعهم بدعم شعبي، لكي ينجح هذا المسار، كما أن إقامة الدولة الفلسطينية يتوقع أن تمهد الطريق ليس لمفاوضات ناجحة فحسب، وإنما أيضا لتحقيق السلام الدائم في المنطقة.
في عام 1998، كان هناك نقاش مكثف حول ما إذا كان يتعين على الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، وكان حينها رئيس منظمة التحرير الفلسطينية، إعلان الدولة الفلسطينية من جانب واحد، لاسيما وأن مرحلة الخمس سنوات التي نصت عليها اتفاقات أوسلو لإعلان دولة فلسطينية، كانت قد شارفت على الانتهاء.
وقد جادل الدبلوماسيون الأوروبيون حينها بشراسة ضد إعلان الدولة، وشددوا على أهمية إعطاء المفاوضات الفلسطينية-الإسرائيلية المزيد من الوقت. وفي نهاية المطاف، غيرت الضغوط التي فرضتها أوروبا وأميركا مسار الأحداث بالنسبة لعرفات، ولم يجر الإعلان عن إقامة الدولة.
اليوم، عدنا إلى السيناريو نفسه إلى حد كبير، لكن توجد للولايات المتحدة أسباب قوية الآن، اكثر من أي وقت مضى، لدعم المشروع المقدم إلى الأمم المتحدة الخاص بإقامة دولة فلسطينية في سبتمبر المقبل، وللاعتراف بان أمورا كثيرة قد تبدلت خلال الفترة الممتدة من 1998 إلى 2011.
تأثير تاريخي
تاريخيا، كان لأوروبا دوماً تأثير كبير على الموقف الأميركي تجاه الشرق الأوسط. وفي الواقع، كانت إحدى القضايا الرئيسية المدرجة في برنامج زيارة الرئيس الأميركي باراك أوباما إلى بريطانيا وإيرلندا وفرنسا وبولندا، في مايو الماضي، تنسيق المواقف حول مسار السلام في الشرق الأوسط. وعلى الرغم من أن الأمور لا زالت غامضة حيال المدى الذي تمكن فيه أوباما من إقناع القادة الأوروبيين بتبني موقف أميركا حيال المنطقة، فإن أصواتا أوروبية متزايدة اليوم، مثل فرنسا، باتت تعرب في العلن عن احتمال اعترافها بدولة فلسطينية في سبتمبر المقبل.
وبالإضافة إلى ذلك، فقد أصدر عدد من القادة الأوروبيين السابقين بيانات تحث الاتحاد الأوروبي على دعم مقترح المشروع الفلسطيني بإقامة دولة فلسطينية. وبالتالي، وبمعزل عن عدد الأطراف الأوروبية التي هي على استعداد للعمل مع أوباما أو حجمها وقوتها، فإن أمرا واحدا يبقى مؤكدا، وهو أن الرفض الأوروبي القوي لخطة عرفات بإعلان الدولة الفلسطينية في عام 1998 لم يعد موجودا في عام 2011، فلقد غير الربيع العربي كل شيء.
الربيع العربي
في عام 1998، لم يعلن عرفات عن إقامة الدولة، لكنه حافظ على دوره كرئيس للسلطة الفلسطينية. وعلى الرغم من أن هذه السلطة، برئاسة محمود عباس، لا زالت تتمتع بدعم الأغلبية بين الفلسطينيين، إلا أن عباس ليس لديه الشخصية الكارازمية كما كانت حال عرفات. لذا، سيشكل امتثال عباس للضغوط الأميركية والعودة إلى مفاوضات يبدو أن لا جدوى منها مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، نهاية أكيدة لحياته السياسية، وسيطرح تساؤلات جدية حول مستقبل السلطة الفلسطينية.
والأمر الأكثر أهمية أنه في عام 1998 لم يكن هناك ربيع عربي يضع سياق المفاوضات المحلي والإقليمي في إطار مختلف كليا. وعلى الرغم من وجود العديد ممن شككوا بفوائد المفاوضات، إلا أن أغلبية واسعة منهم كانت تريد محاولة استخدام المفاوضات للوصول إلى السلام، وبتعبير آخر، وثقت الجماهير بقادتها، أو على الأقل معظم الجماهير، وكانت على استعداد للحاق بها. لكن هذه العلاقة تحولت في عصر الربيع العربي، فالشعب هو الذي يأخذ زمام القيادة الآن، ونتيجة لذلك، سيلتزم الرئيس عباس بإرادة شعبه، بدلا من الوفاء بوعود كان قد قطعها وراء الأبواب المغلقة.
ولذا تشكل دعوة وزيرة الخارجية الأميركية، هيلاري كلينتون، الفلسطينيين والإسرائيليين للعودة إلى واشنطن للبدء بمحادثات تنهي الطريق المسدود الذي وصلت إليه المفاوضات، مقاربة خاطئة للموضوع. وعلى ما يبدو، فإن دروس الربيع العربي لم يجر استيعابها بعد: القادة يمكن استبدالهم، لكن الشعب باق. وعلى كلينتون أن تنظر إلى ما يريده الشعب الفلسطيني، أي إعلان الدولة الفلسطينية، بدلا من الإصغاء لما يقوله المفاوضون فقط، وكان أحدث استطلاع للرأي قد اظهر أن 65% من الفلسطينيين يدعمون إقامة دولة فلسطينية.
