كان الشعور بالعار أول رد فعل من جانب كثير من الناس في بريطانيا على أحداث الشغب التي اندلعت في حي توتنهام في لندن في السادس من أغسطس، واجتاحت العاصمة البريطانية في الأيام التالية لتنتشر منها إلى مانشستر. وبيرمنغهام والعديد من المدن الأخرى . وإلى جانب ذلك كان هناك قدر كبير من الحيرة. فعلى حين غرة شاهدت غالبية من الملتزمين بالقانون بعض مواطنيهم وهم يضرمون النار في السيارات والمباني، وينهبون المتاجر، ويهاجمون رجال الإطفاء والإسعاف. وهكذا تعرت بعنف حيلة الثقة الكامنة في قلب النظام الاجتماعي البريطاني، وتبين أنه إذا كانت أعداد كافية من المجرمين تريد أن تطلق العنان في الشوارع فإنها تستطيع ذلك. وفي غياب الكوابح الأخلاقية الداخلية، فإن الكوابح الخارجية يمكنها أن تطلق العنان بما يفوق التصور.

شاهد العالم لندن وهي تحترق بمزيد من الحيرة، فالأمم الأخرى تميل إلى النظر إلى بريطانيا باعتبارها دولة منظمة ومطيعة للقانون على نحو تحسد عليه على الأقل، مقارنة بالكثير من جاراتها القارية. وهذه الصورة مبررة على نحو جزئي فقط، حيث إن أحداث الشغب المعدية سبق أن اندلعت من قبل، وذلك في الصيف بصفة خاصة، بما في ذلك أحداث الثمانينات عندما اندلعت الاضطرابات في توتنهام وغيرها من المناطق التي شهدت أحداث الشغب أخيرا. غير أنه في هذه المرة فإن لون جلد المتاعب مختلف عن الأحداث السابقة، وهو في افتقاره إلى أدنى قدر من الاهتمام كان داعيا للاكتئاب.

بالنسبة للبعض في اليسار البريطاني فإن الجاني الحقيقي هو تخفيضات الإنفاق العام التي أعلنتها الحكومة البريطانية ، ووجهة النظر هذه تتلقى دعما سطحيا من خلال الحقيقة القائلة أن أحداث الشغب في الثمانينات وقعت خلال تخفيضات تاتشر في النفقات الاجتماعية، ولكن هذا لا يزال خيالا كسولا، والقول بأن العلل الكامنة في المجتمع البريطاني يسهل علاجها عن طريق المزيد من الإنفاق الحكومي هو أمر موضع نظر.

خلافا لأحداث الشغب في بريطانيا في الثمانينات، وفي لوس أنجليس عام 1992، وفي فرنسا عام 2005، فإن أحداث الشغب الحالية في بريطانيا ليست سياسية ولا عرقية على نحو جلي، وبما أن التخفيضات لم تحدث تأثيرها بعد فإن هذا التفسير لا يبدو منطقيا.

ولكن رد اليمين البريطاني الذي يبرر هذه الأحداث بالإجرام بوضوح وبساطة، هو أن السعي إلى تفسير أكثر عمقا هو بمثابة إعطاء تبريرات للمشاغبين يعتبر طرحا خاطئا بالمثل، فمن الواضح أن هناك في بريطانيا أعدادا كبيرة من الشبان الذين يشعرون بأنهم لهم القليل أو ليس لهم أي قسط على الإطلاق في مستقبل البلاد، ويبدو أن الحواجز التي تمنع معظم الشبان من الانطلاق إلى الفوضى، وفي مقدمتها الحس الكامن بالصواب والخطأ والحرص على وظائفهم وفرص تعليمهم، يبدو أنها لم تعد موجودة في أذهان القائمين في أحداث الشغب، وبريطانيا في حاجة ماسة إلى أن تفهم السبب في ذلك.

من غير المحتمل أن يكون إغلاق ناد محلي للشباب، على سبيل المثال، هو السبب في ذلك الاضطراب، وربما الأمر له علاقة بالطبيعة المتغيرة للاقتصاد، وما يترتب عليها من نقص في الوظائف محدودة المهارات، أو التداعي طويل الأمد للبنى العائلية والانضباط، وربما كان للتكنولوجيا دور كذلك. فهواتف بلاك بيري قد استخدمت على نطاق واسع لاستدعاء الغوغاء إلى مناطق مختلفة، والاتصالات الرقمية قلبت ميزان القوى في الشارع لغير صالح السلطات الرسمية، تماما كما حدث في إطار الربيع العربي مع فارق أنه كان في بريطانيا مفزعا أكثر منه ملهما. إذا كانت التكنولوجيا عاملا بارزا فربما ستتكرر مثل هذه المشاهد في دول أخرى، ومن ناحية أخرى فإن مجموعة من الظروف خاصة في بريطانيا ربما كان لها تأثيرها ، فمستويات الظلم القريبة من المستويات الأميركية، ربما قد اجتمعت مع المواقف الأوروبية المتساهلة بالنسبة للعدالة في مواجهة المجرمين، لتوجد مزيجا مشتعلا من الجرأة والغضب. وأيا كانت الأسباب فإن تسيبا أخلاقيا قد أحكم قبضته على آلية من شباب بريطانيا، وهي مجموعة فرعية لكنها تظل برغم ذلك كبيرة بما فيه الكفاية لإذلال بريطانيا وإفزاعها.

لقد كانت أحداث الشغب سيئة بالنسبة لبريطانيا التي تعيش ظروفا اقتصادية متداعية بالفعل، وكانت مدمرة للناس الذين تعرضت بيوتهم وأنشطة أعمالهم للخراب، وأساءت إلى صورة بريطانيا على امتداد العالم، ولكنها في المقام الأول كانت مشوشة بالنسبة لإحساس بريطانيا بنفسها.

وقد بعثت أحداث الشغب هذه برسالة يبدو أن من المستحيل تجاهلها، ومفادها أن واقع بريطانيا الحديثة لا يتلاءم مع الآمال التي يعقدها الكثيرون داخلها وخارجها على السواء. وقد كشفت هذه الأحداث عن أن الافتراض المنتشر والقائل بأن بريطانيا على الرغم من كل انكساراتها وأشكال الظلم فيها، منظمة ومتناغمة أبعد ما تكون عن الواقع، فالانكسارات الاقتصادية والأخلاقية في المجتمع البريطاني قد تجلت للعيان، وبدا بوضوح أنها أعمق مما يظن الكثيرون.

ولا شك أن المرحلة المقبلة ستشهد مناقشات محتدمة في بريطانيا وسيخرج السياسيون بكل الأنواع الممكن تصورها من الاستجابات على أحداث الشغب هذه، وستبرز في النقاش بلا شك برامج إيجاد الوظائف ومشروعات الرفاه، ولكن في المدى القصير سينصب التركيز على نشاط الشرطة. ويكمن السر في أنه في الأيام الأولى لاندلاع أعمال الشغب بدت الشرطة البريطانية عاجزة تماما عن التعامل مع الموقف.