وسط النقاش المحتدم الذي شهده برنامج "نيوزنايت" التلفزيوني البريطاني، بدا واضحا أن كليفن ماكينزي رئيس التحرير السابق لصحيفة صن" اللندنية والمشارك الرئيسي في النقاش، لم يعد بوسعه تقبل المزيد. فقد اندفع صارخا: " ليس هناك شيء يتعين فهمه حول هذا فمن نواجههم هم لصوص أيا كان الاسم الذي نطلقه عليهم، ويمكنك أن تجد اللصوص في أي شريحة من شرائح المجتمع".
في أعقاب العنف الذي اجتاح المدن الإنجليزية أخيرا، فإن من المؤكد أن الكثيرين يشاركون ماكينزي في نفاد صبره حيال محاولات تفسير السلوك الإجرامي لمثيري الشغب، خاصة في أعقاب تأكيد رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون أن اندلاع الفوضى وغياب القانون كان" إجراما واضحا وبسيطا، وليس هناك عذر له على الإطلاق".
إن الرغبة في وصف الجريمة بأنها جريمة أمر مفهوم وفي موضعه، فمن ذا الذي ينكر أن القائمين بإشعال النار والنهب والاعتداء على الناس كانوا منغمسين في أعمال غير مشروعة على نحو فظيع، ويستحقون العواقب التي ستترتب على ما أقدموا عليه؟
لقد كان عمدة لندن السابق كين لفنغستون مجافيا للصواب في محاولته الربط بين هذه الفوضى وبين برنامج التخفيضات الذي اعتمده التحالف الحاكم. ومع ذلك فإنه مع الاحترام لما قاله ماكينزي، فإن بريطانيا بحاجة ماسة إلى فهم ما وقع. ولكي نكون منصفين مع كاميرون فإن من الواضح أنه يدرك هذا، وفي بيانه أمام مجلس العموم أعلن تصميمه على التعامل مع " المشكلات الأكثر عمقا، التي أفضت إلى مسلسل الأحداث الرهيب هذا. وقال إن ثقافة العصابات المنتشرة في بعض من أكثر التجمعات السكانية في إنجلترا تعرضا للمتاعب ينبغي اجتثاثها. ومن بين الحلول الأخرى التي ذكرها إصلاح نظام الاستحقاقات لإعادة الناس إلى العمل، وفرض قدر أكبر من الانضباط في المدارس، وتأصيل نظام "يضع خطا واضحا بين الخطأ والصواب". ومن الواضح أن بعضا من الاقتراحات المفزعة مثل إخلاء عائلات القائمين بالشغب من منازلهم سوف تدفن بعد أن تهدأ الضجة.
ولكن علاجات كاميرون وأولوياته تكشف الكثير، ومن الواضح تماما أن خطته هي خطة ما بعد الاضطرابات للتعامل مع مشكلات فقراء بريطانيا، فالمدارس التي يتحدث عنها رئيس الوزراء البريطاني ليست في الضواحي المترفة أو في مدن إنجلترا الأكثر ثراء، والأمر كذلك بالنسبة لمن يعانون من البطالة الذين يقول إنهم بحاجة إلى تحفيزهم للعودة إلى العمل، فالمودعون في ا لسجون البريطانية هم بصورة كاسحة من الفقراء والسود، على نحو يتجاوز نسبته إجمالي عدد السكان.
وهكذا فإنه عندما يتم التركيز على بؤرة السياسة، فإن كاميرون بما يبدو أن الكثير من أنصاره مصممون على إنكاره، وهو أن العزل الاقتصادي والحرمان، سمه ما تشاء، له صلة بأحداث الشغب.
تشير دراسات عديدة حديثة إلى أن اللامساواة في الدخل على امتداد العقود الثلاثة الماضية قد ارتفعت في بريطانيا بالفعل بعد أن كانت قد تراجعت في الفترة ما بين الحرب العالمية الثانية والسبعينات، وفي غضون ذلك تراجعت المرونة الاجتماعية في المجتمع البريطاني، وقد دعا فيليب بولمان وغريغ دايك وآخرون إلى "لجنة عامة" للتدقيق في ممارسات من أطلق عليها لقب "النخبة المالية الضارية في الاقتصاد"، التي أفسدت المجال العام في بريطانيا، وتشمل قائمة المفسدين من رجال المصارف الذين أوشكوا على تدمير الاقتصاد البريطاني ومع ذلك يواصلون الحصول على مكافئات بملايين الجنيهات الإسترلينية، وكذلك أعضاء البرلمان وترتيباتهم باهظة التكلفة، وإمبراطوريات الإعلام التي تسيء استغلال النفوذ، وهو الأمر الذي بدا جليا للعيان في فضيحة التنصت الأخيرة.
هذه النخبة الضارية هي بالمقابل " فئران ضارية" على نحو ما عبر أحد أصحاب المتاجر التي تعرضت للنهب، ولكن هاتين الشريحتين الواقعتين عند طرفي نقيض في المجتمع البريطاني تشتركان في خاصية واحدة مهمة هي الافتقار الإجرامي للمسؤولية وعدم الاكتراث من بمبادئ العدالة والمساواة.
