في الآونة الأخيرة انتقلت في لندن رسالة نصية من هاتف نقال إلى آخر تدعو "كل الشباب في الشمال" إلى التجمع في محطة إنفيلد تقول: "أي كانت الوسائل عليكم بالاتصال بأصدقائكم وإحداث الدمار والقيام بسرقة كل شيء".
وقد بادر أحد قادة المجتمع المحلي في لندن بإرسال هذه الرسالة لي باعتباري المستشار السابق لديفيد كاميرون ومدير جمعية "اونلي كونيكت" لمنع الجريمة، كما أرسلها أيضا إلى الشرطة.
ثم عقب ذلك مباشرة، وعبر رسائل على موقع "تويتر"، تشكلت فرق تنظيف وتطهير عفوية حدد أعضاؤها المواعيد، وذكروا بعضهم بعضا بضرورة إحضار القفازات والمقشات والجواريف. وهكذا فإن هذا هو النتاج الاجتماعي للاضطرابات التي شهدتها المدن البريطانية أخيرا. فالشباب من ناحية ينحي جانبا حروبه في الملاعب ويندفع على جسور العنف إلى الطرقات والطبقات المتوسطة التي لم تكن تكترث من قبل بالمجتمع الكبير تندفع فجأة للدفاع عنه.
إن تعرية كهذه لأعماق المجتمع البريطاني للحظة تكشف تناقضات حادة فيما يتعلق بلندن في 2011، فهي توضح أولا أنك لا يمكن أن تشق بالحب والإنفاق طريقك إلى المجتمع المدني. وقد كان كين لفنغسنتون وبولي تويمبي وهما من أعمدة اليسار البريطاني القديم ، يلقيان عبء اللوم على هذه الاضطرابات على كاهل "التخفيضات الاجتماعية" التي لم تحدث تأثيرها بعد. وقد كان الشبان في المشروع الاجتماعي الذي أديره في برامج عمل الشباب طوال عمرهم، وقد شاركوا جميعهم بالتأكيد في الاضطرابات الأخيرة سواء كمشاهدين أو كمشاركين، ولو أنك كنت مكانهم ألم تكن ستفعل ما يفعلون؟
إن الطريق الوحيدة لايقاف الفتية الأخيار والفتية الأشرار على حد سواء هي إخافتهم بحيث يعودون إلى بيوتهم عبر التهديد الحقيقي للعنف المتبادل، وقد اتصل تيم مونتغومري من موقع "كونزيرفاتف هوم دوت كوم"، وهو قائد غير رسمي لشباب حزب المحافظين ، بالشرطة ليؤكد لهم : " هاجموا بالعصي فدون خوف من الشرطة لا يمكن أن يكون هناك نظام" وهو محق .
وقد أعلن رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون مضاعفة حضور الشرطة إلى ثلاثة أمثال، وأكد في حزم أولوية استعادة القانون". وعلى الرغم من أن تلك قضية ثانوية في الوقت الحالي، إلا أن هذه الأحداث تؤكد ضرورة انتخاب رؤساء الشرطة في بريطانيا، فالشرطة تكره الإشراف السياسي، ولكنها تستمد سلطتها منه وخاصة في أوقات الأزمات.
والمفهوم الثاني الذي يمكن إدراكه من أحداث العنف في بريطانيا هو أن الهوة بين هاتين المجموعتين اي القائمين بالاضطرابات ومشكلي فرق التنظيف ، قد جرت تغطيتها بالازهار، ولكنها اتسعت بالفعل مع زيادة الدخول. وهناك في بريطانيا جيل من الشباب تربى على أشكال الترف الرخيصة، وبصفة خاصة الملابس والتكنولوجيا، ولكنهم أبعد ما يكونون عن نوعية الثروة التي تجعلهم رجالا ناضجين والحياة العملية والمنزل الذي يملكه المرء، أي الأشياء التي يمكن للاضطرابات أن تدمرها بعيدة عن العيون، وهذا الجيل نشأ على نظام هاريبو الغذائي، فمن ذا الذي يدهش عندما يبادرون إلى تدمير محال الحلوى؟
ومع ذلك فإنه حتى أكثر أعمالنا خدمة للذات يمكن أن نبررها لأنفسنا، فقد قالت امرأة تحمل جهاز تلفزيون وتخرج به هاربة من أحد المحال: " إنني استعيد الضريبة التي دفعتها".
والأقل من ذلك إثارة للسخرية ولكنه ليس أقل خطأ، قيام الشباب بقذف الصناديق على الشرطة متخيلين أنهم يحاربون من أجل العدالة، فقد سيطر عليهم سياق قوامه عدم الإنصاف، وهذا هو التعبير عنه.
إن انتفاضة الطبقة الدنيا، كما أسماها أحدهم أخيرا، تحمل وجه مقارنة يدعو للرثاء مع الانتفاضات على امتداد العالم العربي التي شهدها هذا العام، فالشباب في مصر وتونس لديهم ما يخسرونه من جراء احتجاجاتهم ألا وهو حياتهم ، ولديهم ما يكسبونه ألا وهو الديمقراطية والعدل، أما الشباب البريطاني فليس لديه ما يخسره أو يكسبه، باستثناء الشعور بالانفعال والمخاطرة، وهم يؤكدون بأكثر السبل إيحاء بالعار- يؤكدون عارهم، وكما قال صديق آخر عبر الرسالة على موقع "تويتر" : "هؤلاء الفتية يسردون قصص حياتهم".
خارج " 10 داوننغ ستريت" تحدث رئيس الوزراء البريطاني موجها حديثه إلى بقيتنا، ومؤكدا عزمه على استعادة النظام، وكان لديه شيء واحد فقط ليقوله للقائمين بالاضطرابات، وهو أنهم معرضون لخطر تدمير حياتهم بالانغماس في العنف.
وهذا صحيح ولكنه لا يهم فهم يعتقدون أن حياتهم مدمرة على أي حال، وقضاء شهرين في السجن لا يقدم ولا يؤخر بالنسبة لهم.
إن لندن لها طبقة دنيا، وهو تعبير مقيت بالنسبة لأهله، ولكنه ليس أسوأ وليس أكثر دقة من تعبير "الفقراء"، ولنعبر عن الأمر بضراوة فإننا نقول إن أبناء هذه الطبقة يعانون من الجوع، وقد تمت تربيتهم في ثقافة ضيقة قوامها الإهمال والتجاهل، وفي غضون ذلك فإن الثقافة الأوسع نطاقا، أي نحن باختصار شديد، قد تخلت عن الفضيلة وتبنت أخلاق اللامبالاة في إهاب الليبرالية. وقد أحللنا مدفوعات الرفاه مقابل العلاقات الإنسانية، والحقوق مقابل الحب، وعمليات القطاع العام العقيمة محل الأخلاقيات الدافئة المستمدة من العيش في مجتمعات متكاملة، وعندما تنتهي الشرطة من إخماد الاضطرابات فإن المجتمع البريطاني ستكون أمامه مهمة تتجاوز بكثير إزالة الزجاج المهشم.
