عاشت بريطانيا أخيرا، في غمار كابوس حقيقي، حيث شهدت أجزاء من أكبر مدنها، ولندن على وجه التحديد، تداعيا مخيفا للقانون والنظام، وحطمت المتاجر ونهبت وتعرضت العقارات لاعتداءات وحشية، وأحرقت الدور لتخرج العائلات في فزع منها , أشعلت النيران في السيارات. اندلعت معارك متنقلة بين تجمعات الشباب والشرطة، وعلى امتداد أيام اجتاح الرعب العاصمة البريطانية.
ستكون العواقب السياسية بالغة العمق، فهذه ليست إلا بداية ما يبدو أنه إعصار كاترينا تواجهه حكومة التحالف. وكانت إدارة جورج بوش الجمهورية قد بدت مذهولة عندما اندفعت الأمواج في 2005 لتجتاح مدينة نيورليانز، والشيء نفسه يمكن أن يقال عن حكومة التحالف البريطانية منذ الاندلاع الأول للعنف.
والانطباع الذي تركته تيريزا ماي وزيرة الداخلية، وهي تناشد مستمعي البي بي سي الإبلاغ عن القائمين على الاضطرابات، كان أي شيء إلا أنها تحكم قبضتها على الموقف، وقد عاد رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون إلى البلاد من عطلته لمعالجة الأزمة، ولكن محاولاته لإظهار السلطة لم تكن مقنعة إلا بالكاد.
على الرغم من ذلكم فإن التشبيه لإعصار كاترينا مناسب بطريقة أعمق فهذه هي لحظة كاترينا بالنسبة للطبقات السياسية عموما، وبالنسبة لبريطانيا بأسرها حقا، وكما فشلت الإدارة الأميركية في مواجهة الأمواج التي اجتاحت نبوأورليانوز عندما كانت الفرصة متاحة لها، فإن الحكومات البريطانية متتابعة قد فشلت في مواجهة الموجات الاجتماعية التي كان ينبغي حماية المجتمع البريطاني منها حتى لا يتعرض لهذه النوعية من العدوان، فقد اندلعت هذه الأمواج أخيرا، ونحن نشاهد النتائج البشعة المترتبة عليها .
إننا نعرف ما يكفي عن هذه الاضطرابات ومن يقفون وراءها، وندرك أن هذا ليس احتجاحا سياسيا فالقائمون في الاضطرابات ليست لهم أجندة سياسية، والاضطرابات ليست موجهة بصورة مركزية، والهدف هو النهب الاستحواذي أو التدمير الجنوني، ويبدو أن موجة الاضطرابات الأصلية في توتنهام قد أشعل شرارتها إحساس المجتمع بالظلم الواقع عليه من جانب الشرطة.
ولكن ما وقع في يوليويتش، توكستيث وبريستول بعد ذلك، من الواضح أنه ليس احتجاجا مناهضا للشرطة، وجانب كبير منه هو التقليد للاضطرابات، فقد انتهزت العصابات الإجرامية والشباب المناوئ للحياة الاجتماعية الفرصة للانطلاق من كل القيود مدركين أن الشرطة لا يمكنها أن تكون في كل مكان في وقت واحد.
وهذا ليس استجابة للتقشف والقطاع العام، وربما تكون الأخبار المتعلقة بخفض المعونة الاجتماعية التي فرضتها الحكومة قد أضافت المزيد من مناح اليأس إلى الكثير من المجتمعات الفقيرة، ولكن الحقيقة هي أن معظم هذه التخفيضات لم تنفذ بعد، هذا ليس اضطرابا أنتجته أجهزة الإعلام الجديدة أيضا، ولا شك أن "بلاك بيري" و"تويتر" اللذين لم يكونا قد وجدا في الاضطرابات المدنية للمدن الداخلية في الثمانينات، قد لعبت دورا في تأجيج ألسنة اللهب.
ولكن وسائل الإعلام الحديثة ليست تفسيرا كافيا لهذا التقلص المناوئ للمجتمع، وهذا أيضا ليس اضطرابا عرقيا على طريقة بريكستون وهاندسويرث أو برودووتر فارم في الثمانينات أيضا، فالقائمون بالاضطرابات في 2011 مختلطون عرقيا، وليس هناك شعور جماعي جارف بالظلم في مواجهة الشرطة، على نحو ما كان الأمر قبل ثلاثة عقود.
إن هذه الظاهرة المثيرة للقلق يتعين فهمها باعتبارها نيرانا اندلعت من جانب طبقة دنيا معزولة اجتماعيا واقتصاديا، وهناك هامش إجرامي غير متأثر، مؤلف من أناس يشعرن بـانهم لا نصيب لهم في المجتمع قد قرر أن يفرض حضوره على الشوارع، وقد انتهز شبان وشابات مغتربون بعضهم لا يتجاوزون الا بالكاد مرحلة الطفولة- انتهزوا هذه الفرصة للسرقة، وإشعال النار، وتوجيه الضربات للسلطة بشكل عام.
وقد قالت دياني أبوت عضو البرلمان البريطاني عن دائرة هاكني نورث إن القائمين بالاضطرابات يسيئون إلى مجتمعاتهم، غير أن هذا بالتأكيد إساءة فهم لما يجري، وقد أشارت كاميلا باتمانغليت مؤسسة جمعية "كيدس كومباني" الخيرية إلى أن الكثيرين من هؤلاء الشباب الذين لا حرفة لهم ولم يتلقوا تعليما مناسبا.
لا يشعرون انهم ينتمون إلى مجتمع ما، وبدلا من ذلك فقد شكلوا مجتمعات موازية تتسم بافتقارهم الصادم للأخلاق وللمناعة ضد الشعور بالعار. وهذه الطبقة الدنيا الإجرامية المهمشة والمضطربة عقليا في بعض الأحيان، هي التي شهدتها بريطانيا، وهي تنشط في الشوارع في الأيام الأخيرة.
