وقف الرئيس المصري السابق أمام المحكمة متهما بجرائم ارتكبها قبل الثورة التي هزت مصر في يناير الماضي، وخلالها. وبمعزل عن نتائج هذه المحاكمة، فإن مجرد السماح بها يعني أن كبار ضباط المجلس الأعلى للقوات المسلحة والبالغ عددهم 20 عضواً، يحاولون الابتعاد عن نظام مبارك المتهاوي. لكن مع ذلك، فهناك مراقبون غربيون يرون أن المجلس ربما يكون قد وعد بأكثر مما يستطيع الإيفاء به.
وكان وزير الداخلية المصري منصور عيساوي الذي عينته حكومة المجلس الأعلى للقوات المسلحة، قد بدد مصداقيته، حين تصرف وكأنه يحاول حماية زملائه الضباط، متجاهلا الدعوات لتسليم القناصة في الشرطة الذين يتردد أنهم من اطلق النار على المتظاهرين ، وبإبقائه في الوزارة على ضباط كبار يصفهم الناشطون بالفاسدين والسيئين.
وحتى الآن، فإن حفنة من الضباط فقط قد تمت ملاحقتهم قانونيا، وفي 4 يوليو الماضي، عندما قامت محكمة القاهرة بإطلاق سراح سبعة ضباط شرطة متهمين بإطلاق النيران على المتظاهرين، عادت الجماهير واحتلت ساحة التحرير رافعة رايات تدعو إلى تطهير جدي وأحكام جدية.
قد يكون من السهل توجيه اللوم إلى المجلس الأعلى للقوات المسلحة لنقص الملاحقات القانونية، إلا أن هذا الوضع يعزى لأسباب أخرى. فالقضاة المصريون المشهورون باستقلالهم، أبدوا استعدادهم لتبرئة المتهمين إذا كانت القضايا ضدهم مبنية على أسس واهية، وقضاة التحقيق المصريون يعتمدون على تعاون ضباط الشرطة للحصول على الأدلة، وبعد الفوضى التي تبعت الثورة، فإن العديد من أعضاء سلك الشرطة كان خائفا على حياته، ولم يكن بوضع يسمح له بجمع الأدلة حتى لو أراد ذلك. والقضايا ضد مبارك وكبار الضباط، سوف تعتمد على توثيق الأحداث المتعلقة بإصدار أوامر إطلاق النار بهدف القتل.
ويبدو أن الشعب المصري لا يأخذ بشكل جدي تحذيرات المحكمة من أنها سوف ترفض بعض القضايا، وقد ذهب بعض القضاة إلى وسائل الإعلام في محاولة لخفض التوقعات بشأن قدرتهم على إصدار الأحكام التي يريدها الشعب.
بالطبع، في عهد مبارك، لم يكن النظام يشعر بالقلق فيما يتعلق بنقص الأدلة، وكان قادرا باستمرار على تدوير القضايا بحيث يتولى القضاة التابعون له المحاكمات الحساسة. لكن حتى لو أراد المجلس الأعلى إدانات ناجحة، فقد وجد أن أي مظهر ترقيع لنظام العدالة سيؤدي إلى رد فعل عنيف. على سبيل المثال، انتاب الناشطون المصريون الغضب عندما تبين لهم أن القاضي الذي يترأس محاكمة وزير الداخلية المصري السابق هو عادل عبد السلام جمعة، الذين كان معروفا بإصداره أحكاما بالسجن ضد منتقدي النظام خلال عهد مبارك.
بالنسبة للقضايا الأقل لفتا للأنظار، استند المجلس الأعلى على المحاكم العسكرية التي يقول النقاد إنها لا تحترم الإجراءات القانونية الواجبة وتحكم بناء على أدلة واهية. وكان مبارك قد استخدمها ضد اكثر من 5 آلاف متشدد.
وفي اقل من 6 اشهر، كان المجلس الأعلى قد حاكم عسكريا اكثر من 1200 شخص، وتقول مجموعات حقوق الإنسان إن هذه المحاكمات كانت ظالمة وسريعة ولا تعطي حق استئناف الحكم. وعملية تطهير مساعدي مبارك من دون تورط مباشر للمجلس، تلائم خططه المعلنة بعبور مصر المرحلة الانتقالية بأسرع ما يمكن.
وعلى ما يبدو فان المجلس يريد أن يحتفظ الجيش بهيبته ورهبته، في سبيل ردع الانتقادات وفي الوقت نفسه الحفاظ على موقعه فوق النزاع السياسي.
وكل هذه الأمور تضع مجموعات حقوق الإنسان والمجموعات المؤيدة للديمقراطية، والتي قادت الحملة ضد انتهاكات مبارك لاستقلال القضاء، في وضع حرج. وكانت بعض المجموعات، وفي سبيل تقليص نفوذ المجلس العسكري على السلك القضائي، قد طالبت بإيجاد لجنة حقيقة ومصالحة على غرار النموذج الجنوب أفريقي، وهو كيان تحقيق استثنائي مفصل خصيصا للعدالة خلال المراحل الانتقالية الثورية.
لكن بين عدم اعتبار الجيش للإجراءات القانونية الواجبة، ومطالب الشارع بتحقيق العدالة سريعا، وعدم استعداد القضاء للتخلي عن صلاحياته، فإن هذا الخيار لم يحظ بكثير من الجاذبية. وعند هذه اللحظة، يقول محامي حقوق الإنسان نجاد البرعي إن المتهمين بقتل المتظاهرين من غير المرجح ان يحظوا بمحاكمة عادلة على أي حال، وبمكن بالتالي ان تجري محاكمتهم في محاكم عسكرية فهذا يساعد الشعب على النسيان، لكن الناشر الصحافي هشام قسام له وجهة نظر مخالفة، ويقول إنه يفضل أن يرى المتهمين وقد تمت تبرئتهم من قبل محكمة مدنية، على أن يدانوا من قبل محكمة عسكرية.
لكن، في النهاية، حتى لو تمت تبرئة مبارك وغيره من بعض التهم، فإنه بالإمكان رفع المزيد من القضايا ضدهم، ومن غير المحتمل أن يطلق سراحهم بشكل دائم، والعائلات الحزينة التي خسرت أبناءها على يد الشرطة لن يغلق ملفها، ويبدو أن ما لبى مطالب المصريين هو عملية إذلال الضباط الكبار السابقين ومعاملتهم كمجرمين عاديين، حتى لو لم يتلقوا أحكام سجن فعلية.
إذا ما التزم المجلس بالتزاماته، فسوف يسلم السلطة إلى حكومة منتخبة بنهاية العام، وهذا النظام الجديد، سيكون اقل اتساما بروابطه مع مبارك وربما في موقع أفضل لطرح برنامج منظم للعدالة الانتقالية، من دون استخدام التكتيكات القانونية لعهد مبارك.
