كان المشهد يمكن أن يبدو من وحي الخيال منذ ستة أشهر مضت، فالرجل الذي حكم مصر لثلاثة عقود بقبضة حديدية يدفع إلى قاعة المحكمة ويودع وراء قضبان حديدية.
ومبارك هو أول زعيم عربي تسقطه الجماهير ويواجه العدالة، وهذا حدث هام جدا ليس فقط لمصر بل أيضا لمجمل الشرق الأوسط. ولم تكن المحاكمة مدبرة من الغرب، كما حدث في العراق. لكن يتعين علينا أن لا ننبهر بهذه المحاكمة وما ترمز إليه، لان المقياس الحقيقي لمصر الجديدة، سيكون الطريقة التي سوف تتكشف عنها المحاكمة بمجملها.
والشكوك حيال محاسبة مبارك هي شكوك مبررة، فالقضاة حصلوا على وظائفهم خلال حكمه وكذلك المدعي العام، ويدين القادة العسكريون، الذي يحكمون البلاد له بوظائفهم.
ووضع مبارك رهن المحاكمة أحد المطالب القليلة التي توحدت المعارضة حولها. ويأمل أن لا تكون مجرد مسرحية إذلال لإرضاء الشباب الغاضب، الذي خرج مجددا إلى ساحة التحرير، ليتحرك الجيش المصري لطرده منها باستخدام تكتيكات مأخوذة من الأساليب الأمنية لعهد مبارك.
إن حكام مصر المؤقتين لديهم فرصة حقيقية لقطع دورة الإفلات من العقاب للأقوياء وقمعهم المعارضين. ويتعين على المجلس العسكري الأعلى أن يفي بوعوده بتنظيم انتخابات ديمقراطية والعودة إلى ثكناته، متخليا عن مقاليد السلطة في الوقت الذي يتعين أن تضع محاكمة مبارك المعايير الجديدة للمساءلة.
لقد اختلفت وجهة نظر المصريين حيال المحاكمة، لكن ما حدث له دلالة تاريخية، قدرها بعض المصريين من الذين أدركوا كم كان مذهلا مشهد حسني مبارك مسجونا وتجري محاكمته من قبل محكمة مدنية بعد الانتفاضة الوطنية.