ظهر الرئيس المصري السابق حسني مبارك على شاشة كبيرة خارج الأكاديمية العسكرية للشرطة في القاهرة، محمولا على سرير طبي متنقل، لحظة دخوله قاعة المحكمة لحضور الجلسة الأولى لمحاكمته. وفي أثناء ذلك، بدا المصريون كمن يسمم البئر للدكتاتوريين العرب، الذين هم في أمس الحاجة الآن إلى قطرة ماء باردة مأمونة الجانب في هذا الصيف العربي.
وكان بإمكان هؤلاء الدكتاتوريين رؤية وجه الطريدة المرتعش الواهن، والذراع المرفوعة لرجل على حمالة يحاول منع تسليط الأضواء عليه، لكن هذه المشاهد دامت للحظات معدودة، قبل أن تظهر بعدها النظرات المتكبرة المعهودة نفسها، ومن ثم يسمع صوت أجش وبارد يردد: أفندم أنا موجود، وانكر كل الاتهامات.
لكن المصريين وضعوا حقا رئيسهم السابق رهن المحاكمة إلى جانب نجليه اللذين بديا متجهمي الوجه بثيابهما البيضاء وكأنهما متوجهان إلى حفلة كرة مضرب.
وعلى الرغم من عيوبها، لم تكن العدالة مجتزأة، فالربيع العربي قد أعيد إحياؤه، وحتى عندما ظهرت المروحية التي أقلته إلى العدالة، في سماء الصحراء الشاحبة، لم يصدق الناس ما حدث للوهلة الأولى، لكن الأمر كان حقيقيا.
لكن هل يمكن فعلا وقف التعفن وتنظيف المياه الآسنة؟ المصريون لم يعتقدوا أن هذا الأمر ممكن، لكن إذا كانت هذه عبارة عن حلوى لتسلية الجماهير من قبل المجلس العسكري الأعلى، فإنها قد بدت في نهاية النهار، قضية محفوفة بالمخاطر. فقد رفع محامو الدفاع والادعاء مطالبهم عاليا، لجر رجال مبارك إلى المحاكمة لأسابيع وأشهر وسنوات، حيث هناك ألوف الصفحات التي تحوي شهادات وأدلة، ومذكرات استدعاء بحق كل رجال الرئيس المصري السابق تقريباً.
وقد تسللت أسماء كل أنواع الشخصيات المثيرة للفضول إلى وقائع الجلسة من جهاز أمن الدولة، ومديرية أمن القاهرة أمن الدولة بالجيزة، وغيرها من أجهزة الدولة السرية التي تتصف أفعالها على الدوام بطابع سري، وتعيش مؤسساتها في الظلمة.
وكان هناك محامون من المدعين بـ الحق المدني، وهم محامو عائلات القتلى والجرحى، الذين هتفوا بأسماء الضحايا الذين قتلوا في شوارع القاهرة والإسكندرية والجيزة، بنيران بلطجية أعوان مبارك، وشكلت وفاتهم دليلا على وجود بعض اللحظات السوداء في تلك الانتفاضة.
وفي خارج القاعة، وقبل لحظات من بدء وقائع الجلسة الأولى، كان هناك محامون مثل ممدوح الطاف الذي قال إنه رأى بأم عينيه اسمه مشطوبا من قائمة المحكمة من قبل وزارة الداخلية، بعد أن كانت وزارة العدل قد برأته وسمحت له بتمثيل الضحايا.
وكان هناك والد حسام فتحي محمد إبراهيم وهو شهيد ساحة الإسكندرية يحمل صورة نجله البالغ من العمر ثمانية عشر ربيعا، وهو يتساءل عن السبب الذي يمنع محاميه عن تمثيله في القاعة، وبناء على ذلك، فلا عجب إذن من أن تكون الأسئلة الأولى الموجهة إلى المستشار القاضي أحمد رفعت هي من جانب أولئك الذين يمثلون الضحايا المدنيين.
ويظهر على الشاشة وزير الداخلية المصري السابق حبيب العادلي ببذلته الزرقاء، واقفا إلى جانب الرئيس مبارك في قفص الاتهام، وكأنه يقف بشكل متعمد أمام الكاميرات لاعتراضها ومنعها من تصوير مبارك، في حين يبدو نجلا الرئيس السابق وكأنهما يحاولان حجبه، وهو يتلقى تهما قصوى بالفساد والعنف.
وكانت قد صدرت بحقه أحكام بالسجن 12 سنة، وقد بدت بدلته الرسمية الزرقاء المهلهلة في تناقض صارخ مع الزي ناصع البياض لنجلي مبارك، أما حسني مبارك فقد بدا وهو يمسك بغطاء ابيض حول عنقه، شخصية مثيرة للشفقة وراء القضبان الحديدية. ولقد أنكر كل من نجلي الرئيس المصري السابق، علاء وجمال، كل التهم الموجهة ضدهما.
وكانت هناك مطالبة باستدعاء الفريق محمد طنطاوي إلى المحكمة، وهو الحاكم العسكري لمصر الآن والصديق القديم لمبارك. وكان هذا الأمر يمكن أن يأخذ الأمور إلى أبعادها القصوى. وفي خارج مصر، التزم الصمت كثرة من المسؤولين في العواصم العربية، ومن المستغرب أن لا تتفوه واشنطن بكلمة واحدة، فيما صديقها القديم حسنى مبارك ماثل أمام المحاكمة، فلعل لوزارة الخارجية الأميركية آبارها الآسنة أيضا.
