لم يتمكن الخبراء من تقدير الطرق المختلفة التي يمكن ان ترد من خلالها الجيوش العربية على الاحتجاجات السلمية الهائلة التي اندلعت هذه السنة، وهذا الإغفال حصل لان الخبراء فقدوا اهتمامهم بدراسة دور الجيش في السياسات العربية.

 وعلى الرغم من أن هذا الموضوع شكل لبعض الوقت سمة مركزية للخبراء الأميركيين المعنيين بقضايا الشرق الأوسط، حيث أن الانقلابات العسكرية في الخمسينات والستينات شغلت الدراسات الأكاديمية لتلك المرحلة، فإن الاستقرار الاستثنائي للأنظمة العربية منذ ذلك الحين دفعهم للافتراض أن هذه القضية لم تعد مهمة.

لكن مراجعة أولية لما تكشف عن الثورات يشير إلى ان هناك عاملين يفسران رد فعل الجيوش العربية على عدم الاستقرار الشعبي: التركيبة الاجتماعية للنظام وجيشه، ومستوى المؤسسية والاحترافية للجيش.

ان الدولتين اللتين وقف فيهما الجيش كمؤسسة إلى جانب المحتجين، هما مصر وتونس، تعدان من اكثر المجتمعات تجانسا في العالم العربي، والجيشان المصري والتونسي يتصفان بالاحتراف نسبيا، ولا يخدمان كأداتين بخدمة الحاكم الشخصية.

وقادة الجيش في البلدين ادركوا ان مؤسساتهم يمكنها أن تلعب دورا مهما في ظل أنظمة جديدة، وكانوا على استعداد للمخاطرة بالتخلي عن الحرس القديم. وفي الدول العربية التي تتميز قواتها بطابع مؤسسي أضعف، وحيث تقاد الأجهزة الأمنية وتخدم كأدوات خاصة بيد الحاكم وعائلته، فقد انقسمت هذه القوات أو ذابت في وجه الاحتجاجات الشعبية، ففي كل من ليبيا واليمن، دعمت الوحدات التي تقودها عائلة الحاكم النظام، في حين أن وحدات أخرى انشقت وانضمت للمعارضة، أو بقيت على هامش الأحداث.

وفي المجتمعات المنقسمة على نفسها، حيث يمثل النظام أقلية، وحيث جرى تأسيس فرق تهيمن عليها هذه الأقلية المسيطرة، فان الجيوش في تلك البلدان دعمت أنظمتها إلى الآن. والمنطق البسيط يقول إنه إذا سقط النظام وتسلمت الأغلبية السلطة، فمن المرجح ان يجري استبدال قيادة الجيش أيضا.