فوجئت الأغلبية الساحقة من الأكاديميين الأميركيين، الاختصاصيين في شؤون العالم العربي، بالثورات التي اندلعت أوائل العام الحالي وأدت إلى سقوط زعيمين عربيين، ولاتزال تهدد بالإطاحة بآخرين. فقد بدا واضحا ان الأنظمة العربية لم تكن تحظى بأدنى تأييد شعبي، وأنها كانت تواجه جملة مشكلات ديموغرافية واقتصادية وسياسية خطيرة، إلا ان العديد من الاكاديميين كانوا يركزون على تفسير ما اعتبروه السمة الأكثر إثارة للاهتمام في السياسة العربية، والتي تتمثل في بقاء الحكام غير الديمقراطيين في الحكم.
ولقد استطاعت هذه الأنظمة البقاء لعقود من الزمن، في الوقت الذي كانت الموجات الديمقراطية تتوالى عبر العالم، بل أن جيران البلدان العربية في الشرق الأوسط، مثل ايران وتركيا، خاضوا تغييرا سياسيا هائلا خلال تلك الفترة.
وقد جذب هذا السجل الاستثنائي من الاستقرار في وضع الأنظمة العربية انتباه الأكاديميين الذين شرعوا في توضيح ملامح الوضع القائم. وهناك بين هؤلاء من دافع عن فكرة مفادها انه يتوجب على الولايات المتحدة عدم تشجيع الديمقراطية في العالم العربي لان حلفاء واشنطن العرب الاستبداديين يشكلون ورقة رابحة للاستقرار في المستقبل، لاسيما وأن آفاق تغيير ديمقراطي مكتمل في مواجهة هذه الأنظمة الاستبدادية ، كان محل شك.
إن فهم الأسباب التي دعت هؤلاء الخبراء إلى المبالغة في تفسير حال الاستقرار العربي له أهمية تتخطى مجرد الأهمية الأكاديمية. ويتعين تحديد المتغيرات التي استند إليها استقرار الأنظمة العربية لأربعة عقود، والعناصر الجديدة التي انبثقت لإشعال الثورات الحالية، والقيام بذلك، سوف يسمح لصانعي السياسات الأميركية بالتعامل مع الثورات العربية بشكل اكثر فاعلية.
الدول العربية وجيوشها
في البداية، من المهم الإقرار أن الدراسات حول الكيفية التي استطاع بها الديكتاتوريين العرب الصمود في وجه المتغيرات لا تتضمن آراء قديمة حول عداء الإسلام للديمقراطية أو حول الطابع الأبوي والتقليدي للثقافة العربية، فالأحداث الأخيرة أظهرت الشعبية التي يتمتع بها مفهوم الديمقراطية في العالم العربي.
وأن العرب يتوجهون إلى صناديق الاقتراع للتصويت بأعداد كبيرة عند إعطائهم خيارات انتخابية حقيقية. كما تبين أنهم لم يتقبلوا الحكم الاستبدادي، وأن الحكام الفرديين استطاعوا البقاء في السلطة خلال الأربعين سنة الماضية باستخدام الاضطهاد الوحشي. لقد أظهر المواطن العربي رغبة وقدرة على التعبئة ضد حكوماته، التي كانت قبل عام 2011 قد نجحت في تحديد خياراته أو احتوائها.
ونتيجة لذلك، كانت توجهات الاكاديميين الغربيين تنصب على تفسير الآليات التي طورتها الدول العربية في مواجهة المعارضة الشعبية، وقد أرجعوا استقرار أنظمة الدكتاتوريين العرب لعاملين: المجمع العسكري- الأمني وسيطرة الدولة على الاقتصادي. ووضع المجتمع الاكاديمي افتراضات برهنت خطأها في عام 2011.
فقد افترض معظم الخبراء انه لا يوجد فاصل بين الأنظمة الحاكمة وقواتها العسكرية والأمنية، وكان هذا الافتراض له أسبابه المنطقية، فعدد من الرؤساء العرب كان قد خدم في تلك الأجهزة قبل استلامه السلطة، بما في ذلك الرئيس التونسي السابق زين العابدين بن علي والرئيس المصري السابق حسني مبارك.
ففي أعقاب الانقلابات العسكرية في الخمسينات والستينات، قام الزعماء العرب بإيجاد مؤسسات لممارسة السيطرة السياسية على جيوشهم، وقاموا في بعض الحالات بتأسيس قوات عسكرية مضادة في سبيل موازنة قوة الجيش. وساعدت الجيوش العربية الأنظمة الحاكمة في كسب حروبها ضد المدنيين وفي سحق الانتفاضات. ونتيجة لذلك، فإن معظم خبراء الشرق الأوسط افترضوا أن الأنظمة العربية وأجهزة الأمن لن تنفصلا.
وهذا الافتراض برهن على مجافاته الصواب، وسيحتاج الخبراء في شؤون الشرق الأوسط إلى إعادة النظر في الفرضيات حول العلاقة بين الدول العربية وجيوشها، والتي ربما تشكل العنصر الأساسي في تحديد قابلية النظام في الحياة في ظل وقوع الأزمات.
عنصر الإصلاح
ومن جهة أخرى، شكلت سيطرة الدولة على الاقتصاد في الشرق الأوسط ركنا آخر في استقرار النظام من وجهة نظر الاكاديميين الغربيين. ورأى الخبراء أن الدول العربية ذات الاحتياطات والإيرادات النفطية قد استخدمت ثرواتها للسيطرة على الاقتصاد، وبناء شبكات رعاية، وتقديم خدمات اجتماعية والتوجيه نحو تنمية قطاع خاص مستقل، ويشيرون إلى أن الرئيس الليبي معمر القذافي، يشكل مثالا على مدى أهمية تخصيص أموال النفط بشكل صحيح.
ولقد أثبتت الانتفاضات العربية الراهنة صحة هذه الحجة الأكاديمية، إلا أنها في المقابل، أثارت تساؤلات حيال الأسس الاقتصادية الخاصة باستقرار الأنظمة، عندما يتعلق الأمر بالدول غير المنتجة للنفط. وكانت التحولات في الاقتصاد العالمي ومتطلبات التحرير لمانحي المساعدات الخارجية قد أجبرت الدول غير المنتجة للنفط على تحديث اقتصاداتها خلال العقدين الماضيين. فقامت عدد من الأنظمة العربية بما في ذلك مصر والأردن والمغرب وتونس بخصخصة منشآتها الحكومية، وشجعت الاستثمار الخارجي، وأوجدت الحوافز لإطلاق القطاع الخاص، وخفضت الدعم والإنفاق الحكومي الذي كان في السابق يشكل الجزء الأكبر من الموازين الحكومية.
وأسلوب واشنطن هذا الخاص بالإصلاحات الاقتصادية زاد من عدم المساواة وجعل الحياة أصعب بالنسبة للفقراء، لكنه في الوقت نفسه فتح مجالات جديدة لأصحاب المشاريع المحليين، وسمح للطبقات العليا بالاستمتاع بخيارات استهلاكية مع تحرير الأنظمة التجارية. وكان بعض الخبراء قد اعتقد أن التحرير الاقتصادي يمكنه أن يبني قواعد جديدة من الدعم للاستبداديين العرب، كما أدى الإصلاح الاقتصادي في تركيا إلى دعم متزايد لحزب العدالة والتنمية الحاكم. فقامت الحكومات الغربية بالضغط نحو تبني الإصلاح الاقتصادي كخطوة نحو الإصلاح السياسي.
وكان عدد من الخبراء قد حذر من أن البرامج الاقتصادية الليبرالية الجديدة كانت تسبب مشكلات سياسية للحكومات العربية، لكن قلة توقعت تبعاتها الاهتزازية على النظام، كما بالغ البعض في تقييم تأثيرات النمو الاقتصادي المخففة لأثر هذه السياسات، وتقييم القوة السياسية للمستفيدين من هذه الإصلاحات.
ونتيجة لذلك، قلل الخبراء من شأن النفور الشعبي من الفساد ونهج الخصخصة الذي رافق الإصلاحات. لذا، وفي الوقت الذي رأى الخبراء أن الثروة النفطية تبقى أداة موثوقا بها لضمان استقرار النظام، على الأقل عندما تكون أسعار النفط مرتفعة، غابت عنهم التأثيرات غير المستقرة للسياسات الاقتصادية الليبرالية السيئة التطبيق في العالم العربي.
نوع مختلف
عامل آخر أغفله خبراء الشرق الأوسط، وهو لا يتعلق بسياسات الدولة ومؤسساتها بالقدر الذي يتعلق بالهوية العربية العابرة للحدود، وليس صدفة أن تكون الانتفاضات السياسية الرئيسية قد انطلقت عبر العالم العربي على التوالي، فبعد شهر واحد من قيام بائع خضار في تونس بإحراق نفسه، اندلعت الانتفاضات في العالم العربي. وإذا كانت هناك أدنى شكوك حيال احتفاظ العرب بمشاعر هوية سياسية مشتركة، على الرغم من اقامتهم في 20 دولة مختلفة، فإن أحداث السنة الحالية يتعين أن تكون قد أزالتها.
وهذه المشاعر القومية العربية القوية كان لا يجب أن تفاجئ المجتمع الأكاديمي الغربي، فكثير من الدراسات حول السياسات العربية خلال العقود السابقة ركزت على القومية العربية والعروبة، وقدرة الزعماء العرب على تعبئة دعم سياسي عابر للحدود بالاستناد إلى فكرة أن كل العرب يشتركون في هوية سياسية مشتركة ومصير مشترك.
وسيحتاج الأكاديميون الغربيون إلى إدراك الأهمية المستعادة للهوية العربية لفهم مستقبل سياسات الشرق الأوسط. وبعكس سابقاتها، لا تبدو العروبة الحديثة متحدية للخريطة الجغرافية. فالــعرب لا يتظاهرون لتذويب بلدانهم في اطار كينونة عربية، وأجندتهم هي بمجملها محلية، لكن الانتفاضات العربية قد برهنت على أن ما يحدث في دولة عربية يمكنه أن يؤثر على دولة أخرى بطرق غير متوقعة.
ونتيجة لذلك، لم يعد بإمكان الخبراء وصانعي السياسات بعد الآن التعامل مع البلدان على أساس كل حالة على حدة، وستجد الولايات المتحدة صعوبة في دعم الديمقراطية في دولة عربية واحدة مثل مصر، في حين تقف صامتة أمام احتجاجات ديمقراطية سلمية في بلدان أخرى حليفة.
بالإضافة إلى ذلك، سوف تدفع القومية العربية بقضية السلام العربي الإسرائيلي مجددا إلى الواجهة. وعلى الرغم من ان أيا من الانتفاضات العربية في عام 2011 جرت تحت اسم الفلسطينيين، إلا أن الأنظمة العربية الديمقراطية سيكون عليها ان تعكس الراي العام الشعبي حيال إسرائيل. أما الراي العام العربي حيال الولايات المتحدة، فيتأثر بنظرة العرب إلى الصراع الإسرائيلي الفلسطيني وإلى أفعال أميركا في الدول العربية الأخرى.
ونتيجة لذلك، ستحتاج الولايات المتحدة إلى إعادة إحياء محادثات السلام الإسرائيلية الفلسطينية في سبيل الاستجابة لتوقعات مطالب الجماهير العربية في الشرق الأوسط.
