جاء في بيان صحافي لقوات المساعدة الدولية لإرساء الأمن في أفغانستان «إيساف»، أن القوات الأفغانية وقوات التحالف قد نفذت هجمات جوية في ولاية نورستان.. تلا ذلك تصريح للناطق باسم القيادة المشتركة لقوات «إيساف» في أفغانستان، الكولونيل هانز بوش.

قال فيه: وصلتنا مزاعم المسلحين من خلال وسائل الإعلام، وتوجد القوات الأفغانية وقوات التحالف في الميدان، وهناك بعض المعارك الجارية، لكن لا شيء يشير حاليا إلى أن الولاية قد تم اجتياحها، وتستمر قيادة القوات البرية في تتبع الأوضاع على الأرض.

والقصة الحقيقية لما جرى انكشفت أخيرا، حيث أشارت التقارير إلى أن طالبان لم تقم بالاستيلاء على الولاية الجبلية الصغيرة فحسب، وإنما حاصرت القوات الأميركية لأكثر من ساعة، إلى أن وصلت التعزيزات. وبحسب شهادات أولية لجنود من الميدان أرسلت إلى صحيفة غلوبال غازيت في مايسون سيتي بولاية أيوا الأميركية، بعد أيام من الهجوم، فقد تعرض جنود من الكتيبة الأولى للحرس الوطني، فوج المشاة 133 ضمن الفرقة العسكرية «رد بول»، لإطلاق نار في غضون لحظات من صعودهم مروحية الهليكوبتر التي جاءت لنقلهم.

وقال الناطق باسم الحرس الوطني إن المعركة استمرت لساعات عدة، وشكلت بنظره الاشتباكات الأهم التي خاضتها فرقة رد بول منذ الحرب العالمية الثانية. ويشرح أحد الجنود الذين خاضوا المعركة، الوضع قائلا: اشتعلت منطقة الإنزال بكاملها بالنيران، وكان العدو يتربص بنا من فوق كل أرض مرتفعة، ومن كل نقطة قتال يمكن الدفاع عنها، وأمطرنا بالنيران بكل أنواع الأسلحة بما في ذلك الأسلحة الخفيفة والأسلحة الرشاشة، بالإضافة إلى إطلاقه قذائف آر بي جي وقذائف هاون.

ويرى الصحافي جوليوس كافنديش في صحيفة إندبندنت البريطانية، أن الجنود الأميركيين قطعوا الطريق أمام رواية إيساف الأصلية التي تخفف من وقع تلك الحادثة.

وأفاد أن الضربات الجوية التي قامت بها القوات الأميركية من الممكن أن تكون قد أدت إلى مصرع أعضاء من الشرطة، بالإضافة إلى مقتل عدد من المدنيين جراء القتال، الأمر الذي أنكرته لاحقا تقارير الجيش. وقد التزمت إيساف أيضا ببيانها الأول، حيث قالت إن قواتها لم تجد ما يشير إلى وجود قتال في مركز الولاية نفسها، خلال المعارك في مناطق الإنزال، الأمر الذي يعني أنه لم تحدث أي عملية استيلاء على البلدة.

يقول رئيس تحرير موقع «رجستن. نت» جوشوا فوست، وهو خبير في مشروع الأمن الأميركي: عموما لا تتوفر المعلومات الكافية، فقد تمكنت البنتاغون، مع بعض الاستثناءات، من إحكام قبضتها على تدفق المعلومات.

ويضيف: لقد أصبح الجيش نشطا جدا في نشر مراجعته الخاصة الخاضعة للرقابة لما يجري من أحداث في تلك البلاد، ولقد كان مضللا جدا حول ما يسمى التقدم المحرز في حرب أفغانستان. وهو يتعجب من رؤية هذا البون الشاسع بين المعلومات الضئيلة التي تنشر، والأخبار السعيدة التي تأتي من الجيش، مضيفا ان الأمور ازدادت سوءا أثناء قيادة قائد القوات الأميركية والدولية في أفغانستان الجنرال ديفيد بترايوس.

وكان الجنرال بترايوس، الذي سيصبح قريبا مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية، قد تحدث عن تقدم أحرزته ايساف خلال شهري مارس ويونيو 2011، بـ«وقف» قوة اندفاع طالبان، وحتى عكس مسارها في بعض المواقع، على الرغم من قوله إن التقدم لا يزال هشا وليس متعذرا عكسه.

وكانت إحدى الصحف من التيار العام السائد في واشنطن قد ترجمت هذا الأمر على أنه نصر على طالبان في الجزء الجنوبي من البلاد، وهذا النصر تأمل ايساف الآن حمله إلى المواقع التي تتمتع فيها بسيطرة محدودة، وبالتحديد في المناطق الشرقية على تخوم باكستان.

وقد بدا الجنرال بترايوس، وهو منخرط في لقائه مع الصحافة، في 4 يوليو الماضي، كضابط في الزي الرسمي عذب الحديث، لكنه لم يقدم في حديثه إلا الغموض المعتاد والأوصاف نفسها حول تحويل الموارد والجنود على الأرض من «الجنوب» إلى «الشرق» والتقدم الحاصل في ظل قرار الرئيس الأميركي باراك أوباما البدء بسحب القوات من البلاد.

يقول: «كانت أولوية الجيش السيطرة على ولايتي هلمند الوسطى وقندهار، ولقد احرزنا تقدما مهما هناك، ويبقى القتال عنيفا لأن العدو يريد العودة، ومحاولة استعادة الزخم الذي كان لطالبان في السابق، قبل ان نستولي على المنطقة في الخريف الماضي»، مضيفا ان الجيش ينوي التشبث بتلك المناطق وإحراز المزيد من التقدم، والانتقال نحو وجود أفغاني أكبر».

ومن الواضح أن الاشتباكات التي جرت في ولاية نورستان أواخر مايو الماضي، تهدد بفضح الحقيقة الهشة لهذه القصة، ولهذا حاولت «ايساف» في البداية طمسها، لكنها فشلت. يقول فاوست: «إن يحاصر جنودنا خلال المعركة، فهذا أمر لا يستهان به، وهو يظهر بعض الضعف لما يحاول الجيش إظهاره كمقولته الأساسية. وهناك شعور أنها الطريقة التي يدير بها الجيش علاقاته العامة، فهو يقلل من شأن الأحداث الجارية إلى ان يتيقن من نجاحه».

ربما لهذا السبب لم نشهد إنتاجا إعلاميا ضخما مثل عملية «خنجر» التي صورت دخول قوات المارينز إلى ولاية هلمند عام 2009، أو عملية «حكومة في صندوق» التي دفعت بـ 15000 جندي من التحالف إلى مرجة والمناطق المحيطة بهلمند في عام 2010، لكن حتى في تلك الحملات، فإن النجاح لم يكن واضحاً. يقول فاوست: «اعتقد أن هناك قدرا من الوعي السياسي يظهر أن البنتاغون لا يستطيع المضي قدما في المبالغة في الأحداث والنجاة بفعلته».

وفي هذا السياق، يعتمد الصحافي، غاريث بورتر، في يونيو الماضي الإحصاءات التابعة لوزارة الدفاع، ليشير إلى انه من اصل حوالي 6 آلاف من طالبان، كان الجنرال بترايوس قد تباهى بأسرهم خلال الفترة الممتدة من مايو إلى ديسمبر 2010، فإن 80% منهم قد اطلق سراحهم خلال أيام من الاعتقال، مما يشير إلى أن معظمهم كان من المدنيين الأبرياء.

ويكتب في هذا الإطار: ان هذا الارتباك المتعمد الذي زرعه بترايوس باعتبار كل من يجري أسره للتحقيق معه، من كبار طالبان، هو عنصر حيوي لاستراتيجية مدروسة بعناية لتحسين صورة الحرب.

ويطرح هذا الأمر جملة أسئلة حول واقع الأشياء التي تبدو وسائل الإعلام الأميركية في التيار العام الأساسي السائد، غير مهيأة، بل غير مستعدة على الإجابة عليها. أولا، ان وسائل الإعلام تستند إلى نظام المراسلين الحربيين، وهذا النظام غذى علاقة تكافلية بين الجيش والصحافة، ما أنتج تغطية ملتوية ومنحرفة للحرب، حيث ان قلة من الكتاب الجيدين تخترق هذا النظام وتتمسك بوجهة نظرها.

ثانيا، إن الاهتمام بتغطية الحرب الأفغانية والعراقية والموارد المخصصة لها قد تراجع بشكل واضح، مما ترك نفادا محدودا جدا للمعلومات، وفهما أقل شمولا لما يحدث هناك. وكأن الأمر لا يهم أحدا، فقد ألغى الجيش الأميركي في أكتوبر الماضي نظام المراسلين الحربيين خلال هجومه الرئيسي على قندهار، ولم يكن هناك من ينقل أخبارا؛ ما يفترض ان يكون عملية رئيسية للتخلص من طالبان من المنطقة.

وفي نهاية المطاف، غادر الضباط العسكريون الذين يبثون الدعاية الخاصة بالبنتاغون متظاهرين كمحللين محترمين غير منحازين، مواقعهم في وسائل الإعلام، وانتهت أيضا المسلسلات العسكرية التي تقدم وجهة نظر الجيش على التلفزيون. لكن شبكات الإعلام لم تستبدل هؤلاء بخبراء حقيقيين بإمكانهم مساعدة الأميركيين في فهم الحروب بشكل أفضل، كذلك انتهى عصر التظاهر بمعرفة الخطوط الرئيسية للمواقع التي نغزوها. واذا كان هذا صحيحا، فربما قد يتعلم المزيد من الأميركيين أين تقع نورستان، ولماذا كان يصعب على جنودنا تدميرها والسيطرة عليها.

وعندما سأل موقع «أنتي وور» الخبير في آسيا الوسطى كريستيان لوير، عن المصادر التي يتعين التوجه إليها للحصول على أخبار عن أفغانستان، وهو الشخص الذي أوجد مدونة «المحلل الأفغاني» في سبيل جمع الأخبار عن أفغانستان على شبكة الإنترنت، أجاب قائلا: «فيما يخص الحصول على مصادر أفضل للمعلومات، لا يوجد إلا القليل يمكن التعويل عليه».

لكن فجأة، حدث في سياق الأحداث الطبيعي جملة أحداث ملأت هذا الفراغ المعلوماتي الذي أحدثته آلة الخطاب الإعلامي العسكرية، من اغتيالات وهجمات للمتمردين على كابول، وقتال في البرلمان، ومقتل جنود لـ«ناتو» من قبل جنود أفغان يفترض انهم أصدقاء. قد لا يعرف الأميركيون موقع الولايات والبلدات وأهميتها للجيش، لكنهم يفهمون من فحوى الرسائل التي تصلهم أن الأوضاع قد لا تكون مفروشة بالورد عندما تستلم القوات الأفغانية الأمن هناك.

وهذا الأمر يناسب الجيش وجنرالاته، بما في ذلك الجنرال بترايوس ووزير الدفاع الجديد ليون بانيتا، ذلك أنه عندما يحين الوقت لاتخاذ القرارات الحاسمة حول سحب الجنود إلى الديار في 2014، وهو مفترق الطرق نفسه الذي وصل الجيش الأميركي إليه في العراق اليوم، سيكون من الأسهل تضليل الرأي العام، عندما يكون إدراكه لدينامية الأوضاع في الميدان مبهما وغير واضح، ويقوم بشرحه محللون من الدرجة الثانية والثالثة من المأجورين السياسيين والمندوبين العسكريين.

وفي تلك الأثناء، لا يتعين أخذ التقارير الأولية كأمر مفروغ منه، فوراء كل بيان يكمن صحافي مثير للملل، وقد تكون هناك المعركة الكبرى «منذ الحرب العالمية الثانية» دون أن ندري بذلك.