احتدم النقاش في أميركا، أخيرا، حول ماهية السياسة الخارجية للرئيس الأميركي باراك أوباما، على اثر التورط الأميركي في ليبيا، وقد واكب النقاش جوقة من المطلعين على السياسة الخارجية استفاضوا في التحسر على القصور الاستراتيجي المفترض لأميركا في عهد أوباما. فكتب أحد كتاب الأعمدة في "واشنطن بوست" جاكسون ديل الآتي:" يلاحظ أن هذه الإدارة ليس لديها استراتيجية عليا". ووصف المؤرخ الاقتصادي نيل فيرغسون التراجع الأميركي في الشرق الأوسط أنه "نتيجة متوقعة لافتقار إدارة أوباما لأي نوع من استراتيجية عليا متماسكة".
وبمعزل عما يقوله النقاد، فقد كان لإدارة أوباما ليست استراتيجية عليا واحدة فحسب، وإنما اثنتان. الاستراتيجية الأولى، ما يطلق عليه "التحصن المتعدد الأطراف" والذي صمم لتقليص التزامات أميركا ما وراء البحار واستعادة مكانتها في العالم، وتحويل الأعباء إلى الشركاء الدوليين. وهذه الاستراتيجية كانت واضحة جدا، لكنها أوصلت إلى نتائج سياسية مخيبة للآمال.
والثانية، استراتيجية عليا جديدة تركز على "رد الضربة بالمثل". وكانت إدارة أوباما أخيرا على استعداد لفرض نفوذها ومثلها العليا عبر العالم، إذا ما جرى الطعن بها من جانب بلدان أخرى، وذلك في سبيل طمأنة الحلفاء ولإرسال إشارات شديدة الوضوح للخصوم. وكان أداء هذه الاستراتيجية افضل من الأولى، لكن غياب الوضوح بشأنها، أوجد فراغا في التفسيرات فقام منتقدو سياسة أوباما بملء هذا الفراغ. وإلى ان يقوم الرئيس ومستشاريه بتحديد واضح لهذه الاستراتيجية التي كانت في الخفاء طيلة السنة الماضية، فإن منتقدي السياسة الخارجية هم على أهبة الاستعداد لتعريفها عنهم وبطريقة سيئة.
الرؤية
تتألف الاستراتيجية العليا من مصالح وطنية مفصلة بوضوح، ومرتبطة بمجموعة من الخطط العملية للنهوض بها. وهذه الاستراتيجية الواضحة المعالم بإمكانها تقديم هيكلية توضيحية تشرح كيفية فهم سلوك الإدارة وتعاطيها.
قد تبدو هذه الأمور مهمة إلى حد بعيد، إلا أنها ليست ذات أهمية في معظم الأحيان، وفي سبيل ان تكون هناك أهمية للاستراتيجيات العليا، يتعين عليها ان تشير إلى تغيير في السياسات، لكن محاولة تبديل مسار السياسة الخارجية لدولة ما يشبه محاولة جعل ناقلة طائرات ضخمة تقوم باستدارة كاملة، فإذا استطاعت إلى ذلك سبيلا، فتكون قد قامت بذلك بسرعة بطيئة. فسطوة الأوضاع الراهنة تجعل من الاستراتيجية العليا عنصرا ثابتا، على الرغم من الجهود المبذولة للإدارة في التمايز وإضفاء السمات الخاصة عليها. لذا يبدو السجال الدائر حول غياب استراتيجية عليا في أميركا هو اقل أهمية من الجدال حول إعادة إحياء الاقتصاد الأميركي.
أهمية الأفكار
لكن هناك أوقات تكون فيها الاستراتيجيات العليا على قدر من الأهمية، لا سيما خلال الأزمان التي تتصف بالغموض الكبير في الشؤون الدولية، حيث بإمكانها ان تشكل منارات معرفية، توجه البلدان إلى بر الأمان. وخلال الأوقات العادية، يحاول صانعو السياسات استكشاف الاحتمالات القائمة أو استقراء الأحداث السابقة للتنبؤ بسلوك الأخرين، لكن في الأزمنة الحديثة، فإن وجود استراتيجية عليا يشكل للبلدان وسيلة استدلال حول النوايا المستقبلية لصانعي السياسات في الدولة.
هناك نوعان من الأحداث يطلقان هذا النوع من الأوضاع المتصفة بالغموض، التي تعطي أهمية للاستراتيجية العليا. أولًا، اضطراب دولي واسع النطاق، حرب أو ثورة أو حالة ركود اقتصادي يحدث تغييرا يمس مصالح البلدان عبر العالم. وفي ظل تلك الأوضاع، عندما يكون هناك عدم وضوح بشأن المستقبل، يمكن ان تزود الاستراتيجيات العليا بخريطة طريق تسهم في تفسير الأحداث والرد السياسي المناسب عليها.
وثانياً، حدوث انتقال لمراكز القوى، وهذا أيضا يمكن ان يؤدي إلى كثير من الغموض والريبة، وعندما تواجه قوة مهيمنة متراجعة بقوة متحدية صاعدة، فإن العالم يريد معرفة رؤية تلك الحكومتين لدورهما في العالم. والدول الأخذة بالتراجع نسبيا يمكنها ان ترد بطرق لا تحصى ولا تعد، بما في ذلك شن حملات استباقية.
لقد ورثت إدارة أوباما عالما يتميز بحالة من التعقيد والغموض، وكان لديها استراتيجيتان للتعامل معهما. فمنذ تولى أوباما منصبه وبجعبته ثلاث قناعات استراتيجية راسخة. أولاً، التجديد في الداخل أمر حاسم في أي استراتيجية طويلة الأمد، وهذه النقطة شدد عليها في كل خطاباته الخاصة بالسياسة الخارجية. ثانياً، ان الولايات المتحدة كانت منتشرة بشكل واسع في الأماكن الخاطئة، وأهملت أجزاء أخرى من العالم. ثالثاً، ان أخطاء إدارة بوش قد دفعت بمكانة أميركا في العالم إلى الحضيض.
وكما أشارت وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون، فقد تبين ان العالم المتعدد الأقطاب كان في الواقع عالما "متعدد الشراكات". وقد حاولت إدارة أوباما "إعادة العلاقات مع روسيا إلى وضعها السابق". ومع الصين، كانت هناك احاديث عن حوار اقتصادي استراتيجي أميركي صيني، مما أعاد إلى الأذهان مؤتمرات الحرب الباردة. ولقد تبنت الإدارة "مجموعة العشرين" كمنبر اقتصادي عالمي أول بدلاً عن "مجموعة الثماني"، وذلك لاعتقادها بأهمية وجود شركاء كثر، وشراكات أكثر فاعلية، وبدلاً من الضغط على الدول لتبني الديمقراطية، جعلت الآخرين يقتادون بها.
وهذا الخليط من الأقوال والأفعال، شكل مفهوما استراتيجيا واضحا، لكن النتائج جاءت دون توقعات الإدارة. كان رد الصين على اليد الممدودة لأوباما المزيد من التطلعات الإقليمية، واستمرت روسيا مشاكسة في تعاطيها مع أميركا، وقاوم الحلفاء التقليديون زيادة مساهماتهم في أفغانستان وغيرها، ولم تكن إنجازات "مجموعة العشرين" على مستوى الطموحات. وفي تلك الأثناء، فإن المشاعر الانعزالية داخل أميركا ازدادت قوة، لتصل إلى اعلى مستوى منذ 40 عاما.
فماذا حصل؟ لقد أخطأت الإدارة في اعتقادها أن تحسن مكانة أميركا الدولية سوف يعطيها زخما سياسيا اكبر، وعلى الرغم من تحسن صورتها بين الجماهير والنخب الأجنبية، إلا أن هذا لم يترجم في زيادة ملموسة في القوة الناعمة الأميركية، والتفاوض داخل مجموعة العشرين ومجلس الأمن لم يصبح أكثر سهولة، فالقوة الناعمة، كما تبين، لا تستطيع تحقيق الكثير في غياب الاستعداد لاستخدام القوة الصلدة.
وفي رد على ذلك، أعادت الإدارة ترتيب سياساتها بعد 18 شهرا في البيت الأبيض، بالتمحور حول استراتيجية عليا اكثر حزما، لكن في ظل ثابت لم يتغير وهو إبقاء التركيز على إعادة استنهاض القوة الأميركية في الداخل.
وتحولت الإدارة من استراتيجية التحصن إلى استراتيجية "رد الضربة بالمثل". ولمحت أميركا إلى أنها ما زالت قادرة على حشد الحلفاء ومحاربة التهديدات الناشئة. فقامت بتقوية علاقاتها الأمنية والاقتصادية مع معظم جيران الصين في منطقة آسيا-الباسيفيك، ولإظهار استعدادها لموازنة أي تهديد جديد، طمأنت أميركا حلفاءها بأنها لن تنكفئ إلى الانعزال في وقت قريب. وكذلك، في الشرق الأوسط، استخدمت أميركا تأثيرها على الجيش المصري للمساعدة في إحداث تغيير سلمي في مصر.
وأخيرا، على نقيض مزاعم بعض الجمهوريين، قام أوباما بربط السياسة الخارجية الأميركية بعقيدة الاستثناء الأميركي. فأصبحت وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون أكثر حزما في نقد انتهاكات حقوق الإنسان في الصين، وفي التجاوب مع الثورات في العالم العربي، وبرهن أوباما عن تقديره لجهود تشجيع القيم والمصالح الأميركية.
الداخل الأميركي
لقد بدت استراتيجية أوباما العليا الجديدة متماسكة في معظم أرجاء العالم، فالحلفاء بدوا مطمئنين في حين فهم الخصوم انه لا يمكن التلاعب مع الإدارة الأميركية.
لكن هذا الأمر لا ينطبق على الجبهة الداخلية، والتحدي الأهم في استراتيجية أوباما العليا من المرجح ان تبرز في الداخل بدلاً من الخارج. والاستراتيجيات القابلة للحياة تحتاج إلى الاستناد إلى دعم داخلي، والمشكلة الأكبر في استراتيجية أوباما العليا تكمن في سياساتها الداخلية المثيرة للمشكلات.
ومن الصعب على الإدارة استخدام المخاوف من القوى الصاعدة لاستنهاض أميركا، من دون ان يقود هذا الأمر إلى ديماغوجية زائدة حيال الصين، والخطاب الرسمي هو جزئيا ملام لهذه المخاوف الشعبية المتزايدة من القوة الصينية.
وهناك مشكلة أكثر خطورة تتمثل في إقحام أوباما للسياسة الحزبية في المعادلة بتركيزه على تجديد القوة الداخلية لأميركا. فإذا كانت الإدارة تقول ان مفتاح السياسة الخارجية الأميركية هو الاقتصاد المحلي، فإنها تزيد من احتمال الشقاق الداخلي.
حرب ليبيا تشكل إحراجاً لسياسة أوباما الخارجية
لماذا فشل أوباما في توضيح استراتيجيته العليا إلى الشعب الأميركي؟ ومن باب الإنصاف القول إن التراجع الاقتصادي الطويل الأمد قد أثار ضغينة الأميركيين تجاه التعامل مع العالم، جاعلاً من الصعوبة بمكان الترويج لأي سياسة خارجية نشطة بين صفوف الشعب الأميركي، وهناك تعبير يستخدم لوصف الاستراتيجية العليا الأميركية حاليا، وهو "القيادة من الخلف" وهذا تعبير كارثي على الصعيد السياسي.
لكن لماذا لم تكن إدارة أوباما في الواجهة في رسم الاستراتيجية العليا؟ أولًا، لأن تغيير المسار يعني اعترافا بأن المسار السابق كان خاطئا، وليس هناك إدارة ترغب ان تفعل ذلك. ثانيا، تفتخر الإدارة في سياستها الخارجية البراغماتية، مما يصعب الترويج لرؤية استراتيجية عليا. وأخيرا، تميل التحركات العسكرية إلى تكثيف الانتباه إلى إبعاد أخرى في السياسة الخارجية. وعلى الرغم من ان التدخل الليبي يمكن تبريره إلا انه لا يناسب الاستراتيجية العليا الجديدة لأوباما. فليبيا، باعتراف الإدارة الأميركية لا تشكل مصلحة وطنية جوهرية، وهذا الأمر وضع أوباما في موقع حرج وهو يحاول توضيح سياسته الخارجية.
وإلى ان تقوم إدارة أوباما بعمل افضل في توضيح استراتيجيتها العليا إلى الشعب الأميركي، سوف تواجه معارضة داخلية مهمة لسياساتها. لكن في سبيل تحسين توضيح هذه الاستراتيجية للأميركيين، يحتاج أوباما إلى إظهار معرفته بالاتجاه وبكيفية الوصول إلى الهدف. استراتيجية
هل من الصحيح القول إن الرئيس أوباما لا يملك استراتيجية عليا؟ وإذا كان هذا الأمر كذلك، فهل يشكل غيابها كارثة بهذا الحجم؟ لقد طورت إدارة بوش استراتيجية عليا واضحة المعالم ومتماسكة بعد الحادي عشر من سبتمبر، لكن كل هذه الأوصاف لا يجعل منها استراتيجية جيدة، وتطبيقها أحدث أضرارا اكثر مما جلب منافع.
ان وجود مثل هذه الاستراتيجية ليس مهماً كما يزعم كبار الاستراتيجيين، ذلك أن إصدار الأحكام على البلدان يجري بناء على أفعالها وليس أقوالها. وما يهم القوى العظمى هي القوتان الاقتصادية والعسكرية، لكن في ظل الأوقات العصيبة التي نمر بها، فإن وجود استراتيجية عليا يمكن ان يكون له أهمية كمؤشر للاستدلال، ذلك ان وجود استراتيجية واضحة المعالم أمر مفيد، لأنه يبعث رسائل حول ما تعتزم الدولة القيام به.
