الاستراتيجيات العليا هي عنصر ثابت في السياسات، على الرغم من محاولة الإدارات الأميركية المختلفة إضفاء بعض التمايز عليها. وكما أشار المؤرخ الأميركي ملفين لفلر، فإن العناصر الأساسية في استراتيجية الأمن القومي للرئيس السابق جورج بوش، الحرب الوقائية وتشجيع الديمقراطية، لم تكن جديدة، حيث كانت هذه العناصر ظاهرة في الخطاب الرسمي للإدارات السابقة، ويكمن وجه الاختلاف الوحيد بين بوش ومن سبقه، أن بوش وضع هذه العناصر موضع التنفيذ.
كذلك، يشير التاريخ إلى أن الاستراتيجيات العليا لا تغير مسار سياسات القوى العظمى كثيرا. على سبيل المثال لم يؤثر مدى خطأ الاستراتيجيات التي اتبعتها الولايات المتحدة، كثيرا في صعودها. فبعد الحرب العالمية الأولى، كان يفترض بالولايات المتحدة أن تأخذ دورا نشطا في الشؤون الدولية، لكنها بدلا من ذلك انكفأت على نفسها وأصبحت أكثر عزلة، وقام رؤساء متتالون باستحداث نظرية الدومينو ووسعوا التورط الأميركي في حرب فيتنام بصورة أبعد مما كان يملي عليه أي منطق استراتيجي. كذلك، شنت إدارة بوش حربا غير ضرورية على العراق.
إن هذه الخطوات الخاطئة لم تبدل من مسار القوة الأميركية. فالولايات المتحدة تولت في النهاية مسؤوليات الصدارة بعد الحرب العالمية الثانية، ولم يغير توسعها في فيتنام من نتائج الحرب الباردة، و"عملية تحرير العراق" كانت مكلفة جدا، لكن إحصاءات الرأي العام تظهر أن الضرر الذي ألحق بمكانة أميركا اختفى بسرعة. وفي الحالات الثلاث، فإن نقاط القوة للمؤسسات الأميركية فرضت تصحيحا مناسبا على الاستراتيجية العليا.
وفي كل مرة، كان القادة الجدد يدفعون البلاد نحو تبنى دور قيادي في مرحلة ما بعد الحرب، مثل الامتناع عن التدخل العسكري بعد حرب فيتنام، وإصلاح خطة مكافحة التمرد في وجه الإخفاقات في العراق. وهذا التصويب في المسار منع الأخطاء الاستراتيجية من أن تتحول إلى تراجع دائم.